من القواعد المنهجية المهمة في تدبر الخطاب القرآني واستجلاء مفاهيمه ومقاصده قاعدة تمثّل مفتاحاً لفهم كثير من الإشارات القرآنية، وهي "القرينة اللفظية المحدِّدة للمعنى"؛ إذ لا غِنى للباحث المتدبر عن استنطاق بنية النص القرآني اللسانية المحكمة، دون الارتهان لما رسخ في المخيال الديني أو المرويات التفسيرية المتوارثة. وتتجلّى فعالية هذه القاعدة بصورة واضحة عند النظر في دلالة ما عُرف بـ«الأشهر الحرم»، وفهم العلّة الكامنة وراء وصفها بهذه الصفة.
لقد شاع في التراث الفقهي والديني فهمٌ مفاده أنّ الأشهر الحرم هي أشهر حُرِّم فيها القتال، باعتبار ذلك تقليداً جاهلياً جرى إقراره لاحقاً ضمن التشريع الإسلامي. غير أنّ هذا الفهم، على رسوخه في العقل الجمعي، يتعارض مع دقة البيان القرآني، كما يتجلى ذلك في قول الله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْۚ وَقَاتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
إن هذه الآية الكريمة تقدّم معطيات لافتة تقوّض ذلك الفهم السائد.
أولاً: إنّ الأمر بالقتال جاء في ذات السياق الذي ذُكرت فيه الأشهر الحرم، بل بصيغة جماعية وموسعة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، مما ينفي الزعم القائل بأن علة الوصف مرهونة بتحريم القتال فيها على وجه الإطلاق.
بل ويأتي قوله تعالى: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قاطعاً للشك باليقين بأن القتال ليس محرماً في الأشهر الحرم على إطلاقه.
ثانياً: إن حرمة هذه الأشهر كما ورد في الآية سابق حتى لحركة التاريخ البشري، بل إلى زمن سابق لنشأة الإنسان نفسه: ﴿يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۚ﴾، مما يدل على أن حرمتها متعلقة بنظام كوني محكوم بسنن ثابتة لا علاقة لها بمجرد مسألة الوقف عن القتال.
وإن كان النص القرآني قد ترك اسم هذه الأشهر غير مصرح به، واكتفى بوصفها أنها حرم، فإن القرينة اللفظية المرافقة لكلمة "حُرُم" وبحثها في سياقات أخرى تساعد في توجيه الفهم نحو المعنى الجوهري. وهذه القرينة تتجلّى في سورة المائدة، حيث تتكرر الصيغة ذاتها في سياقات ترتبط بتحريم الصيد، لا بالقتال، مما يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم "حُرُم" بوصفها حالة زمانية أو وجودية تتعلق بالنظام البيئي.
يقول الله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].
ويقول أيضاً:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
وكذلك:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۚ﴾ [المائدة: ٩٥].
تتجلى من هذه الآيات علاقة لسانية ومفاهيمية واضحة بين وصف "حُرُم" وبين تحريم الصيد، مما يجعل من "التحريم" حالة بيئية متعلقة بالنظام الطبيعي، لا مجرد حكم تعبّدي معزول. إذ يتضح أن هذا التحريم جاء لحماية التوازن البيئي بالحفاظ على الكائنات البرية في أوقات مخصوصة من مواسم تزاوجها وتكاثرها، حين تكون أكثر عرضة للانقراض والضعف، فكان لا بد من إقرار هدنة بيئية تحفظ لها دورتها الحيوية وذلك بتحريم الصيد، وتلك هي القرينة التي نعنيها.
ومن هنا نفهم أن الأشهر الحُرُم إنما وُضعت لتحفظ للبيئة دوراتها الدقيقة، خاصة في ما يتعلق بالحيوانات البرية والغطاء النباتي، باعتبارهما جزءاً من منظومة إلهية متكاملة أُحكمت بحساب دقيق. وبناءً على ذلك، فإن ثبات هذه الأشهر في مواقعها الموسمية لا بد أن يخضع لنظام تقويمي متّزن وثابت، يضمن ثباتها واستقرارها بين الفصول الأربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف، توافقاً مع مواسم تزاوج الحياة البرية، وذلك بما يقتضيه من تعديل للتقويم القمري الحالي الطائش بإدخال شهر إضافي كل نحو سنتين وثمانية أشهر لتعويض الفارق بين السنة الشمسية والقمرية المتمثل في 11 يوماً.
وهذا الثبات لا ينحصر أثره على الجانب البيئي فحسب، بل ينعكس أيضاً على شعائر ونسك محورية في الدين كالصيام والحج؛ إذ إن استقرارهما في مواسم زمنية محددة يحقق مقاصد الشرع والخلق، ويراعي سنن الله في الوجود، فلا يُجعل صيام الصيف أشد من صيام الشتاء، ولا يُؤدى الحج في أجواء متفاوتة ترهق النفس والجسد.
يتضح لنا إذاً أن الأشهر الحُرُم ليست مجرّد بقايا من عرفٍ جاهلي، ولا هي فقط أياماً لوقف القتال، بل هي وحدة زمنية بيئية خُصصت لحماية دورة الحياة في البرّ، بإرادة إلهية محكمة ربطت بسلطة الضمير الإيماني الحي لا اعتماداً على قوانين الدولة في تنظيم الصيد، مدعومة بقرائن لفظية قرآنية تدلّ على هذه العلّة، وترسّخ معنى "التحريم" في بُعده الوجودي. والقرآن، إذ يبسط هذا النظام، يفتح باباً لتأملٍ جديد في مفهوم "التحريم"، ويعيد توجيه النظر من حدود الجغرافيا إلى عمق البيئة، ومن منطق السلطة إلى حكمة الخلق. وللقضية مزيد من الأبعاد والتفاصيل الكبيرة يمكن تتبعها من خلال مواقع الكاتب، غير أن المقصود هنا هو تثبيت الفكرة وبيان أساسها القرآني الصريح، لفتح الباب أمام دراستها بشكل علمي وواسع.