المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (1) الوصية أصل في القرآن

20-01-2025

يبرز من بين المحاور ذات الدلالة التشريعية التي سجلت حضورها في الخطاب القرآني محور المواريث، ويمكن في هذا المضمار أن نميز بين سجلين معنويين، وهما: الوصية والفرائض، وهما يمثلان التيمتين الرئيسيتين اللتين صاغ بهما الخطاب القرآني رؤيته لمسألة المواريث، وهي من المسائل التي بها ينتظم معاش الجماعة الإنسانية عموماً والجماعة المؤمنة بوجه خاص. ولعله من المفيد في البداية أن نلمع إلى أن القرآن نزل في بيئة عربية لها أعرافها في الإرث، وقد نقل ابن حبيب (ت 245ه) في كتابه المحبر: "كانت العرب مُصفقة على توريث البنين دون البنات. فورث ذو المجاسد وهو عامر بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر ماله لولده في الجاهلية للذكر مثل حظ الأنثيين." ومن المعلوم أن القاعدة العامة التي جرت عليها أعراف العرب قبل الإسلام هي كما ذكر جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أن يكون الإرث خاصاً بالذكور الكبار دون الإناث، على أن يكونوا ممن يركب الفرس ويحمل السيف، أي: المحارب. 

 إن المتأمل في الخطاب القرآني في موضوع المواريث، بمعزل عما لحقه من تفسيرات في النصوص الثواني التفسيرية والفقهية، يقف بما لا يدع مجالاً للشك على أن الوصية ركن ثابت في الميراث مثلما تُبينه الآية 180 من سورة البقرة، ونصها: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتقِينَ"، والفاصلة التي تتكرر في الآيتين 11 و12 من سورة النساء: "مِن بَعْدِ وَصِيةٍ"؛ ففي الآية التي في البقرة ورد الخطاب واضحاً لا لبس فيه أن الوصية فرض، وهو المعنى الذي يُفهم من السياق النصي؛ ففي الآية 178 والآية 183 استعمل الخطاب لفظ "كُتِبَ" في القصاص والصيام، وفُهم على أنه يعني الفرض، وهو ما ترسخ في دلالة اللسان العربي كما جاء عند ابن منظور: "قال الله تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى. وقال عز وجل: كتب عليكم الصيام، معناه: فرض. وقال: وكتبنا عليهم فيها، أي فرضنا". (ولاحظ هنا أن ابن منظور استثنى الإشارة إلى اعتبار الوصية فرضاً مثل القصاص والصيام، ولعله في ذلك ساير التقليد الفقهي الذي اعتبرها منسوخة). 

 وبالعودة إلى الآية، نخلص من فحص منطوقها إلى المعنيين التاليين: 

أولهما، أن القرآن يخاطب المؤمنين مباشرة "أَحَدَكُمُ" ويقول لهم إن الوصية عليهم فرض، وما حدد لهم مقدارها وإن أشار إشارة خفية إلى مراعاة الأعراف الجارية في قوله "بِالْمَعْرُوفِ"، والمغزى أنهم أحرار في ذلك ولا قيد عليهم إلا قيد التقوى وهو قيد مركوز في ضمير المؤمن الأخلاقي. 

والثاني، أن القرآن وإن أطلق قيد الموصى لهم في قوله "لِلْوَالِدَيْنِ" دون إشارة إلى دين أو مذهب أو طبقة، وهو ما ذهب في تأويله المفسرون والفقهاء لاحقاً، فإن معنى الأقربين مفتوح على عدة إمكانات تأويل؛ فالقرابة قد تُفهم على معنى الرابطة الدموية وما يتصل بها من عصبية، وهو ما كان سائداً في بنى التنظيم الاجتماعي قديماً، وقد تُحمل على معنى القرابة الوجدانية، وفي كل الأحوال فتقدير معنى القرابة ودرجتها يعود إلى الموصي.

 والحاصل من ذلك أن الوصية في آية البقرة تكتنز معنيين أساسيين؛ معنى الفرض بما يحمله من وجوب وإلزام، ومعنى الحرية التي يتمتع بها الموصي في تقدير مقدارها ومستحقيها. وتُعزز الفاصلة في آيتي سورة النساء هذين المعنيين، وتشدد العبارة التي تبدأ بها الفاصلة "من بعد" على أن للوصية الأولوية والأسبقية على الفرائض المذكورة في الآيتين، وهي ههنا أيضاً دون ضبط لمقدارها، ما يعني احتمال أن تستغرق الوصية (والدَيْن) كامل التركة، ودون تحديد لقائمة مخصوصة من الموصى لهم، وهو ما يؤكد مرة أخرى معنى حرية الموصي. 

 والخلاصة، أن منطوق الخطاب القرآني وما يحمله من دلالة، صريح في القول بأن الوصية هي الأصل في المواريث، وإذا استعرنا مصطلح القدامى قلنا إنها "قطعية الدلالة"! ويترتب عن ذلك أن لصاحب المال في قائم حياته الحق في التصرف في توزيع ماله لمن يشاء، وفي ذلك إشارة قرآنية لطيفة إلى معنى الحرية، وهي في رأينا القاعدة الأصل في كل ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالدين. ويبدو أن من المسلمين في أجيالهم الأولى مَن التزم العمل بالوصية كما جاءت في الدلالة القرآنية؛ فقد ورد في سيرة سفيان الثوري (ت 161ه) في كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي (ت 748ه) ما يلي: "مات سفيان وله مائة دينار بضاعة، فأوصى إلى عمار بن سيف في كتبه فأحرقها، ولم يعقب سفيان، كان له ابن، فمات قبله، فجعل كل شيء له لأخته وولدها، ولم يورث أخاه المبارك شيئاً، وتوفي المبارك سنة ثمانين ومائة". ومن الواضح أن سفيان الثوري، وهو من الفئة العالمة، تصرف في توزيع ماله/تركته بمطلق الحرية عملاً بالوصية القرآنية، فما كانت عنده منسوخة، وما كان يرى أنه ملزَم بالفرائض. غير أن للمنظومة الفقهية قولاً آخر في الوصية نحا إلى تقييدها ومحاصرتها، وقد احتكمت في ذلك إلى جملة من المنطلقات والقواعد، ورسمت للفقهاء ولعلماء الفرائض منهجاً ساروا على هديه، وتلك قصة أخرى!

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

من الخطاب القرآني إلى المقالة الفقهية: تسييج المعنى من أجل استنباط الحكم

د. فريد بن بلقاسم

15-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة