المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (2) جناية "العلماء" على الوصية!

02-02-2025

بينَّا في المقال السابق أن الوصية في القرآن أصل في المواريث، وهي غير مُقدَّرة، وقد منح الخطاب القرآني صاحب المال الحق في أن يوصي بماله في قائم حياته بكامل الحرية ودون قيود تُملى عليه من خارج إرادته. ونتبين في هذا المقال الكيفية التي بها تعامل الفقه الإسلامي مع هذه المسألة بما هو، كما عرفه ابن خلدون في المقدمة، "معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين: بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استُخرِجَت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها: فقه". ونطرح في هذا المضمار السؤالين التاليين:

- ما هي الآليات التي بها استنبط الفقيه حكمه في الوصية؟ 

- إلى أي مدى كان الفقيه وهو يتدبر حكم الوصية في الإرث ملتزماً بمنطوق النص القرآني ووفياً لروح المعاني التي يكتنزها؟

حاور العلماء قديماً من مفسرين وفقهاء آية الوصية التي في البقرة بجملة من الآليات التي جعلوها موجهة لفهمهم، ويبرز من بين هذه الآليات في استنباط حكم الوصية، بما يتلاءم مع رهاناتهم التشريعية لتنظيم المجتمع في باب المواريث، آليتا العموم والخصوص من ناحية، وآلية المحكم والنسخ من ناحية ثانية. وقد اختلفت آراء العلماء، كما ذكر القرطبي (ت 671هـ) في مصنفه الجامع لأحكام القرآن في هاتين المسألتين؛ ففريق منهم قال: "هِيَ مُحْكَمَةٌ، ظَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَمَعْنَاهَا الْخُصُوصُ فِي الْوَالِدَيْنِ اللَذَيْنِ لَا يَرِثَانِ كَالْكَافِرَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ وَفِي الْقَرَابَةِ غَيْرَ الْوَرَثَةِ، قَالَهُ الضَحَاكُ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ، وَاخْتَارَهُ الطَبَرِيُ. وَعَنِ الزُهْرِيِ أَنَ الْوَصِيَةَ وَاجِبَةٌ فِيمَا قَلَ أَوْ كَثُرَ".

وذهب فريق آخر منهم ابن عباس وقتادة إلى أن "الْآيَة عَامَّة، وَتَقَرَرَ الْحُكْمُ بِهَا بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وَنُسِخَ مِنْهَا كُلُّ مَنْ كَانَ يَرِثُ بِآيَةِ الْفَرَائِضِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَ آيَةَ الْفَرَائِضِ لَمْ تَسْتَقِلَ بِنَسْخِهَا بَلْ بِضَمِيمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلَامُ:إِنَ اللَهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِ ذِي حَقٍ حَقَهُ فَلَا وَصِيَةَ لِوَارِثٍ. (..) فَنَسْخُ الْآيَةِ إِنَمَا كَانَ بِالسُنَةِ الثَابِتَةِ لَا بِالْإِرْثِ، عَلَى الصَحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ بِأَنْ يَأْخُذُوا الْمَالَ عَنِ الْمُوَرِثِ بِالْوَصِيَةِ، وَبِالْمِيرَاثِ إِنْ لَمْ يُوصِ، أَوْ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَصِيَةِ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْإِجْمَاعُ. وَالشَافِعِيُ وَأَبُو الْفَرَجِ وَإِنْ كَانَا مَنَعَا مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُنَةِ فَالصَحِيحُ جَوَازُهُ بِدَلِيلِ أَنَ الْكُلَ حُكْمُ اللَهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمِنْ عِنْدِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْأَسْمَاءِ (..) وَنَحْنُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ بَلَغَنَا آحَاداً لَكِنْ قَدِ انْضَمَ إِلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَنَهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَةٌ لِوَارِثٍ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَ وُجُوبَ الْوَصِيَةِ لِلْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخٌ بِالسُّنَّةِ وَأَنَهَا مُسْتَنَدُ الْمُجْمِعِينَ".

ويمكن أن نخلص من خلال ما أورده القرطبي إلى جملة من الملاحظات، نومئ إليها في النقاط التالية:

-  توسَّل "العلماء" بآلية العموم والخصوص من أجل تقييد صفة الوالدين والأقربين الموصى لهم، وتقف وراء تأويلهم خلفية ذات بُعد اجتماعي متلبسة بالطابع الديني؛ فالوصية تجوز عندهم للوالدين الكافرين والعبدين لأنهما في هذه الحالة لا يرثان، وتجوز للأقرباء من غير الورثة. فالتخصيص هنا سمح للفقهاء بتوجيه المعنى القرآني على نحو يستجيب للقاعدة التي أرسوها في الإرث التي تقول بأولوية الفرائض على الوصية من ناحية، وللتراتبية الاجتماعية التي تقضي بأن يكون غير المسلم والعبد في مرتبة أدنى من مرتبة المسلم والحر من ناحية ثانية.

- مثَّلت آلية النسخ الآلية الأكثر حسماً في تقييد الوصية ومحاصرتها؛ إذ أدت إلى تغيير جذري في المعنى القرآني الذي جعلها متقدمة على الفرائض، ومنح الموصي الحق والحرية في تقديرها إلى الحد الذي يجعلها تستغرق كل ماله، وتقدير مستحقيها من ورثة وغير ورثة. فقد أفضى القول بأنها منسوخة إلى ضبط مقدارها في ثلث التركة وإقصاء الورثة منها.

- اشتغلت هذه الآلية وفق القاعدة الأصولية التي رسخها العلماء في مقاربة النص القرآني، والتي أوجزها السيوطي (ت 911هـ) في قوله في كتابه الإتقان في علوم القرآن: "لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَهِ إِلَا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ النَاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ". ولقد ترتب على اشتغال هذه الآلية أن ترسخ في التقليد الإسلامي أن الوصية لم تحافظ على معناها القرآني، فباتت مقيدة من جهة مقدارها ومن جهة مستحقيها، رغم كل ما يكتنف القول بنسخها من ملابسات نتبينها بوضوح في الكلام الذي نقله القرطبي، لا سيما من حيث القول بأن خبر الواحد (الحديث المنسوب إلى النبي: لا وصية لوارث..) ينسخ القرآن، أو القول بأنها منسوخة بآية الفرائض مع ما يقتضيه ذلك من التغاضي عن فاصلة "من بعد وصية"، أو القول بأنها منسوخة بضميمة أخرى هي الإجماع. واختلاف الأقوال هنا يشي بالإحراج الذي واجهه العلماء في التعامل مع منطوق القرآن وصريح خطابه حول الوصية من جهة، ورهانهم المعقود على تقييدها ومحاصرتها من جهة أخرى. والحاصل من كل ذلك أن هناك مسافة جلية بين خطاب القرآن وحكم الفقه في الوصية.

وخلاصة القول في هذا المضمار، لقد أدرك الفقهاء أن الوصية كما جاءت في القرآن تُقيدهم من جهة وضع الأحكام التي تنظم توزيع المال/التركة بعد وفاة صاحبه، بما يستجيب لقواعد الهيئة الاجتماعية وأعرافها في اعتبار الفرد جزءاً من الجماعة، وفق نظام يقوم على قرابة الدم والعصبية العشائرية والقبيلة، وفي ترتيب الناس والتمييز بينهم على أساس الجنس (الرجال والنساء) والطبقة (الأحرار والعبيد) والدين (المسلمين وغير المسلمين). وما أمكن لهم أن يتوسعوا في أحكام المواريث إلى الحد الذي جعلهم يفردونها بعلم مستقل بذاته هو علم الفرائض إلا بعد أن أحكموا، في نطاق رؤيتهم الأصولية والفقهية، تقييدَ العمل بالوصية. فما كان حكمهم في الوصية حكماً إلهياً خالصاً ووفياً لمنطوق القول الإلهي ومقصده، بل كان حكماً بشرياً ناطقاً بتأويلهم للنص بحسب آليات اشترطوها مسبقاً، وملتزماً في الخلفية بأعراف مجتمعهم. أما علم الفرائض فيحتاج إلى وقفة تميط اللثام عن المرجعيات والآليات التي تحكمت في قواعده وأركانه ومسائله، وذلك مبحث آخر.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

من الخطاب القرآني إلى المقالة الفقهية: تسييج المعنى من أجل استنباط الحكم

د. فريد بن بلقاسم

15-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة