تعدد الزوجات ووهْم الاحتماء بالمرجعية الدينية

01-06-2025

تعدد الزوجات ووهْم الاحتماء بالمرجعية الدينية

يُظهر الواقع أن ظاهرة تعدد الزوجات بصدد التراجع، كما تشير إلى ذلك البيانات في دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وغيرها؛ لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بتزايد وعي المرأة، أو لأسباب مادية تتعلق بارتفاع تكاليف الزواج، أو لأسباب تتعلق بالقيود المفروضة قانونياً على التعدد، إلخ.. وإذا كانت الممارسة الاجتماعية تكشف عن أن التعدد ليس ظاهرة مستشرية في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً، فإن المسألة تظهر في المخيال والتصور باعتبارها تشريعاً إلهياً وحقاً منحه الله تعالى للرجل المسلم، فقد يكون التعدد وفق هذا التمثل مشروطاً ومقيداً، ولكنه يظل مباحاً فلا يجوز منعه. 

وفي الحقيقة، يبدو الجدل محتدماً داخل المجتمعات العربية الإسلامية الحديثة حول هذه الظاهرة بين مَن يتمسك بالتراث الفقهي، الذي أقر التعدد وأسبغ عليه المشروعية الدينية، ويتشبث به باعتباره يسهم في حماية البناء الاجتماعي ومظهراً من مظاهر الرحمة في الإسلام. ومَن يدعو إلى تجديد النظر في المرجعية الفقهية وتحديث أحكامها وفق قراءة معاصرة للنص الديني، تأخذ بعين الاعتبار مستجدات الواقع، والحاجة إلى رؤية توفيقية بين النص وقِيم العصر، وهو منهج تكرس في الفكر العربي منذ رواد الإصلاح الديني والاجتماعي من أمثال محمد عبده (ت 1905) والطاهر الحداد (ت 1935)، وكلاهما دعا إلى الاكتفاء بزوجة واحدة؛ إذ "إن خير ما يعمله الرجل هو انتقاء زوجة واحدة"، على حد عبارة عبده. ومَن يطالب من منظور حقوقي حديث بفصل التشريع في الأحوال الشخصية عموماً وفي مسألة التعدد خصوصاً عن الأحكام الفقهية الموروثة، واعتماد مرجعية قيمية كونية معاصرة قوامها المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، ما يعني منع التعدد قانونياً. 

 وبالعودة إلى ما يقوله القرآن في التعدد نجد الآيتين:

"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا"، النّساء/3.

"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"، النّساء/129.

والملاحظ فيهما أن القرآن يحاور بيئة الدعوة التي تجوز في أعرافها للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فأن يعمد الخطاب إلى ضبط العدد وحصره، فذلك يُعد من الناحية الأنثربولوجية انخراطاً في تنظيم ممارسات المجتمع وتعديلها مع ما يتناسب لرؤيته للزواج وللعلاقة بين الزوجين.

ويتعلق سياق الآية الأولى بالحث على إعطاء اليتامى حقوقهم، وقامت على تركيب شرطي تلازمي بين الخوف من عدم القسط في اليتامى (= فعل الشرط) وهو ظرف تاريخي معين، ونكاح النساء من امرأتين إلى أربع (= جواب الشرط)، وأما الشرط الثاني في الآية فيصل وصلاً تلازمياً ضرورياً بين الخوف من عدم العدل، والاكتفاء بواحدة من النساء في النكاح. 

ويؤكد الخطاب في الآية الثانية -متسلحاً بالأداتين "لن" وهي تفيد توكيد النفي وتأبيده و"لو" وهي تفيد امتناع الشرط- عدم قدرة الرجل على العدل بين النساء مهما يفعل. وعند الربط بين الآيتين يبدو واضحاً أن نزعة القرآن إلى الحد من تعدد الزوجات، بل إلى منعه، غالبة. فمن حيث هو شرط التعدد بالعدل بين النساء، ومن حيث هو أقر باستحالة العدل، فمقتضى ذلك منع التعدد. فهل استجاب المفسرون والفقهاء لذلك؟

يبدو منع التعدد غير مفكَّر فيه في التراث التفسيري والفقهي؛ فقد انحصرت الخلافات، كما أورد القرطبي (ت 671هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن، بين مَن يقول إن العدد المقصود في الآية 3 من سورة النساء أربع لا يزيد، وهذا ما عليه "إجماع الأمة"، ومَن يقول إن العدد يصل إلى تسع، وهي "مقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر"، ومَن وصل بالعدد إلى ثمان عشرة وهو قول "بعض أهل الظاهر". واختلفوا، كما جاء في كتاب أحكام القرآن للجصاص (ت 370هـ)، هل إباحة الأربع للأحرار دون العبيد، وهو قول الحنفية والشافعية، أم للأحرار والعبيد وهو قول مالك. وفُهم العدل بين النساء على أنه التسوية في القسْم والنفقة والكسوة، فقالوا، بحسب ما جاء في تفسير القرطبي: "على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوماً وليلة.. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: للحرة ليلتان وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر، ولا حظ لهن فيه". وهكذا تفننوا، في تأويلاتهم، في تحديد مفهوم العدل حتى أُفرغ من أي معنى.  

لقد اندرجت مقالة المفسرين والفقهاء في هذه المسألة في إطار الانخراط في منظومة الأعراف الاجتماعية السائدة، من حيث إن التعدد كان عادة مألوفة في تلك العصور. فأحلوا للرجل الزواج بأكثر من واحدة، ولم يعتبروا معنى العدل واستحالته في الخطاب القرآني، وقصروا فهمهم وتأويلهم على إباحة التعدد بما يستجيب لما تقتضيه عادات الهيئة الاجتماعية، ولكنهم دأبوا على إكساء حكمهم المشروعية الدينية.

يحتمي أنصار التعدد اليوم بالحكم الفقهي الموروث، ويكتفون عند العودة إلى القرآن بالمقطع الذي ينص على "مثنى وثلاث ورباع". ولئن كان الأمر في ظاهره يزعم التمسك بحكم الله والسير على نهج السلف، فإنه في باطنه ليس سوى وهْم لا أصل له في دين الله، بل هو من آثار الثقافة الذكورية وما تختزنه من صور عن الفحولة وسيادة الرجل ودونية المرأة المختزلة كأنثى في الوطء والإنجاب، ومن تمثل للعلاقة بين الاثنين قائمة على السلطة والهيمنة والطاعة والخضوع، ولا يلتفت هؤلاء إلى جوهر الرسالة القرآنية ومقاصدها العميقة، ولا إلى ما يشهده الواقع من تحولات جذرية في وضع المرأة وأدوارها في الأسرة والمجتمع وانعكاسات ذلك على العلاقات داخل الهيئة الاجتماعية؛ فتراهم غارقين في تلك الصور التي يعج بها مخيالهم مهووسين بتنزيلها في واقع لا صلة له بها، واستعصاء الواقع عليهم يستثير حنقهم وسخطهم على النساء وعلى كل مَن يخالفهم الرأي؛ فيستنزلون اللعنة عليهم، ويعتبرون أن مَن يُنكر التعدد خارج عن ملة الإسلام ومقلد تقليداً أعمى للغرب، وتلك لَعمري حجة متهافتة، يلجأ إليها مَن تكلس عقله وتبلد فهمه!

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

من الخطاب القرآني إلى المقالة الفقهية: تسييج المعنى من أجل استنباط الحكم

د. فريد بن بلقاسم

15-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة