من رحمة الله تعالى بعباده أن يسّر كتابه للناس تلاوةً وحفظاً ليسهل العمل به، قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: 17]، والمسلم إذا أراد البحث عن حكم قرآني معين بمثل محرمات النكاح، أو محرمات الطعام، فإنه يستطيع البحث بنفسه ليصل إلى مراده، أو قد يستعين بحافظ لكتاب الله تعالى، فيُسمعه كلام الله المتعلق بالموضوع المراد.
أما الرواية فهي تمر بعقابيل عديدة قبل الوصول إليها؛ فهي تحتاج إلى النظر في ثبوتها أولاً، وهنا يجب التأكد من: عدالة الرواة، واتصال السند، والضبط للرواية، مع السلامة من الشذوذ والعلة القادحة.
أي لا بد من عملية بحث معينة من قِبل مختصين ليحكموا بثبوت رواية ما، قبل النظر في مضمونها، وهكذا باقي الروايات، وهذه الأحكام على الرواية نسبية؛ فما يصححه فلان قد يخالفه فيه آخرون ويضعفونه.
وإذا أراد المسلم البحث في موضوع معين، وليكن على سبيل المثال خلق الإنسان في القرآن، فإنه يجمع الآيات المتعلقة بالموضوع ويرتلها ويتدبرها.. إلخ.
أما إذا أراد البحث في موضوع فقهي معين في كتب الروايات، فالسؤال: كيف سيجد الروايات؟! وكيف بعد ذلك إذا عثر عليها سيدرس رجالها ويقارن بين الروايات لتحاشي الروايات الشاذة والمعللة.
فالرحلة في جمع الروايات ودراستها طويلة وشاقة وعسيرة؛ فمسند أحمد فيه عشرات الألوف من الروايات، وكتب الروايات من مسانيد وصحاح وسنن ومصنفات لا تُعد ولا تُحصى، وبعضها ما زال مخطوطاً مثل سنن سعيد بن منصور، وبعضها مفقود حتى يومنا هذا مثل مسند بقي بن مخلد، والبعض الآخر قد ضاع ولم يعد له وجود مثل الموطآت والكتب التي كانت في عصر مالك بن أنس.
إن البحث عن حديث معين في كتاب من هذه الكتب مهمة شاقة وصعبة وقد تأخذ شهوراً أو سنوات؛ فكتب فهارس الحديث لم تظهر إلا في أوقات متأخرة، يقول المحدث أحمد محمد شاكر في مقدمته لكتاب مفتاح كنوز السنة (وهو فهرس لمجموعة من كتب الحديث قام على وضعه المستشرق الهولندي د.فنسنك): (وأغرب من هذا أني لبثت خمس سنين وأنا أطلب حديثاً معيناً في سنن الترمذي، وهو كتاب تلقيته كله عن والدي سماعاً، ولي به شبه اختصاص وعناية).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا أيضاً في مقدمة الكتاب نفسه: (فلو كان بين يدي هو أو مثله من أول عهدي بالاشتغال بكتب السنة لوفر علي ثلاثة أرباع عمري الذي صرفته فيها.. إلخ).
وقال أيضاً عن ضرورة هذا الكتاب: (فإن خير ما أعرف به هذا الكتاب لقراء العربية، أن أبين لهم وجه الحاجة إليه، وطريق الانتفاع به، وعدم استغناء أعلم علماء الحديث عنه، بل هم أشد حاجة إليه من غيرهم، ويتلوهم من دونهم من العلماء..).
ويقول د.علي الصياح في برنامج صناعة الحديث: (سمعت الألباني يقول في أحد الأشرطة: كنت إذا سمعت حديثاً من أحاديث أبي هريرة منسوباً إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل قمت بقراءة مسند أبي هريرة في مسند الإمام أحمد بن حنبل كاملاً، قرأت ثلاثمائة صفحة فربما أعثر على الحديث وربما لا أعثر – ويقول: النسخة التي كنت أرجع إليها ليست مثل التي عندكم – الخط دقيق وليس بينها فواصل والصفحة مليئة بالأسطر- وقد ذكر الألباني هذا الكلام في معرض حديثه عن الفهارس التي وجدت فما بالك بالحاسب الآلي..). المستوى الأول، الحلقة الثالثة.
وهكذا نجد المحدِّث الراسخ في علم الحديث يبقى خمس سنوات يبحث عن حديث نبوي في كتاب له فيه شبه اختصاص ولا يجده إلا بعد مشقة، وآخر يقرأ مئات الصفحات وربما يجد الحديث وربما لا يجده، فإذا كان هذا حال هؤلاء المحدثين الراسخين في علمهم في بحثهم عن رواية معينة، فما بالك بغيرهم من علماء الدين ممن لا باع لهم بعلم الحديث، فما بالك بطلاب العلوم الشرعية ناهيك عن المسلمين العاديين غير المتخصصين في تلك العلوم؟!
إن كتاب الله تعالى محفوظ في الصدور والسطور، وهو موجود في كل بيت مسلم، ويُطبع منه ملايين النسخ، ويُوزع في أرجاء العالم قاطبة بترجمات لمعانيه بلغات كثيرة، مما يعني أأألأأن الله تعالى حفظ وحيه ويسره للذكر ليكون حجة على الناس؛ فهو كتاب للناس كافة، وليس كتاباً للخاصة أو لخاصة الخاصة، قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً) [الإسراء: 9].