حد السرقة بين القرآن والحكم الفقهي

15-09-2025

لو سألنا أي مسلم ما هو حد السارق من الناحية الدينية، لأجابنا على الفور حد السارق قطع يده، بل إن بعض المسلمين اليوم يرددون بأنه لو يتم تطبيق هذا الحد لتم القضاء على السرقة باعتبارها فعلاً إجرامياً يهدد استقرار المجتمع وأمن أفراده. وفي واقع الأمر تستند هذه القناعة الإسلامية الراسخة إلى ما كرسته مدونات الفقه الإسلامي ومصنفات التفسير القرآني التي ظلت على مدى قرون تكرر المعاني والأحكام نفسها وتلبسها صفة الشرعية بما أنها تقدم نفسها ناطقة بما أراد الله تبليغه للمؤمنين. ولكن دعونا نقلب النظر في العلاقة بين ما استقر في المنظومة التفسيرية والفقهية وما جاء به القرآن، ونتساءل عن مدى وجاهة القول بأن حد السرقة هو حد شرعي له ما يسنده في النص القرآني.

يستحضر القول بقطع يد السارق الآية 38 من سورة المائدة، في قوله تعالى: "وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً منَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، وغني عن البيان أن الأغلبية من المسلمين قديماً وحديثاً لا يقفون عند ما تحمله قراءة الآية من "تناقض" في نظام تركيبها من جهة الحديث عن السارق والسارقة بصيغة المفرد من ناحية، والحديث عن "أيديهما" بصيغة الجمع من ناحية ثانية. ومقتضى الآية على هذا النحو أن يكون الأمر بالقطع إن كان الأمر محمولاً على القطع المادي للعضو الجسدي أن يشمل يدي السارق أو السارقة، لا يداً واحدة كما هو الأمر في الحكم الفقهي. وإن الوقوف عند هذا "التناقض" يدفع إلى طرح إعادة النظر في معنى الآية من جهة، والكيفية التي بها استنبط الفقهاء حد السرقة من جهة أخرى، ويمكن في هذا المضمار أن نشير إلى ملاحظات ثلاث:

-   تحدثت الآية عن السارق والسارقة ولكننا لا نجد فيها ضبطاً لمفهوم السرقة على وجه التدقيق، أي متى يكون فعلٌ ما سرقة؟ وما شروطه؟ ونطرح هذا السؤال ونحن نستحضر زمن التنزيل حيث كانت الغنائم المتأتية من الغارات والغزوات أمراً مقبولاً ومشروعاً في نحلة معاش العرب والمسلمين لاحقاً، فمن الضروري ضبط مفهوم السرقة المجرمة حتى لا يلتبس الأمر مع ما كان مشروعاً. وهو أمر عُني المفسرون والفقهاء لاحقاً بضبطه فاستقر عندهم أن "السارق عند العرب هو من جاء مستتراً إلى حرز فأخذ منه ما ليس له" كما أورد القرطبي (ت 671هـ) في تفسيره.

-   هل ينطوي المعنى القرآني في هذه الآية على حكم قطع يد السارق وجوباً، بمعنى قطع العضو الذي في الجسد أم إن معنى القطع يحتمل وجوهاً أخرى معنوية غير مادية على نقيض ما استقر العمل به؟ لا سيما إذا ربطنا هذه الآية بالآية التي تليها "فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِن اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِن اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ" (المائدة: 39)، فهذه الآية غالباً ما يتغافل عنها الفقهاء وعموم المسلمين؛ إذ ينقض القول بالتوبة والصلاح حكم القطع.

-   فمن أين جاء الحكم بقطع يد السارق اليمنى إذن؟ وكيف بنى الفقهاء استدلالهم من القرآن على ذلك؟ بالعودة إلى تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" وهو من التفاسير الجامعة المتأخرة، يتضح أن المستند في الحكم الفقهي القاضي بقطع يد السارق اليمنى يكمن في قراءة عبد الله بن مسعود المخالفة للقراءة الرسمية المتواترة، ونصها "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم"، وقد اعتبر القرطبي أن هذه القراءة تقوي قراءة الجماعة لأنها استبدلت بالأيدي الأيمان. ويطرح هذا التأويل القائم على نوع من الجمع والدمج بين القراءة الرسمية والقراءة المخالفة إشكالاً في مستوى فهم لفظ "اليمين" و"الأيمان"، والذي يشير عادة إلى معاني الحلف والقَسم والمواثيق والعهود. وعلى هذا الأساس تدل قراءة ابن مسعود، كما استنتجت نائلة السليني، أن "حكم من سرق هو الخلع من المجتمع وتهميشه، بل إنكار وجوده في المجموعة المؤمنة". ولعل هذا المعنى أقرب إلى الانسجام الدلالي مع معنيي التوبة والصلاح الواردين في الآية 39.

تؤول بنا هذه الملاحظات إلى إعادة التفكير في آيتي سورة المائدة 38-39، فبؤرة المعاني القرآنية تدور فيهما في مدار أخلاقي يُدين فعل السرقة بما هو فعل مشين ويزدري الفاعل من ذكر وأنثى، ومع ذلك يبقي الباب مفتوحاً على التوبة والصلاح. وأما العقوبة وفق هذا البعد الأخلاقي السامي فينبغي أن تراعي مقتضى الاجتماع البشري من مرحلة تاريخية إلى أخرى. فقطع الأيدي كما جاء في سياق التركيب القرآني يحتمل وجوهاً من الدلالة لا تقف عند حصره في حد قطع اليد الذي أقره الموروث الفقهي الإسلامي. ومن هذه الوجوه الممكنة نذكر النفي والتغريب والخلع من القبيلة كما كان رائجاً على المغضوب عليهم عند العرب قبل الإسلام، أو السجن والحبس كما هو معمول به في القوانين المعاصرة المنبثقة عن الدولة الحديثة، أو الارتقاء بمعاش الناس وحسن تربيتهم حتى لا يعود هناك داعٍ إلى السرقة كما تعمل على ذلك بعض الدول اليوم في تنمية أوضاع مواطنيها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.

وهكذا يتبين لنا أن ما هو مركزي في الخطاب القرآني هو استشناع السرقة، وأن عقوبة فاعلها تستدعي استحضار مفهومي التوبة والصلاح، لا إنزال عقاب يلحق به أذى جسدياً لا يزول أثره كما أقره الفقهاء في مدوناتهم، ولعل بذل الجهد في تحسين ظروف الناس المعيشية من ناحية، وحبس من زلت قدمه إلى السرقة من ناحية ثانية، يحققان في رأينا المراد في هذا الباب.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

من الخطاب القرآني إلى المقالة الفقهية: تسييج المعنى من أجل استنباط الحكم

د. فريد بن بلقاسم

15-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة