حرية الاعتقاد وبناء التعددية الدينية

30-12-2024

لا تنفصل حرية الإنسان عن كرامته، وخاصة تلك التي تتعلق بحرية الضمير والاعتقاد. فالحرية في أساسها هبة من الخالق، خص بها الإنسان دون غيره من الكائنات، وهي التي تؤهله ليكون مسؤولاً عن أعماله وجديراً بالثواب أو مستحقاً للعقاب. وإذا أدركنا هذا المعنى للحرية فإن الوجود البشري يصبح تعبيراً عملياً لحرية الإنسان وقدرته على معرفة نفسه واختياره للصراط الذي يلتمس فيه بلوغ الغاية التي وجد من أجلها. 

يرتكز مفهوم الحرية بصيغته الغربية على الفرد وتحقيق المنفعة التي تمثل انعكاساً لحركة السوق وتدفق السلع الاستهلاكية، وهي الصيغة التي أدت إلى تسليع الإنسان واستغلاله، ونتج عنها الاستعمار الحديث الذي هدف إلى استغلال مصادر الطاقة والموارد الطبيعية والبحث عن أسواق استهلاكية جديدة لمنتجاته الصناعية الفائضة.

وخلافاً لمفهوم الحرية في الغرب الذي جاء نتيجة سردية تاريخية خاصة، وضعت السلطة الدينية في مواجهة مع الحرية العقلية والحقوق المدنية لمجتمعات كانت تطمح إلى الانعتاق والتحرر، فإن للحرية في التاريخ الإسلامي سردية أخرى تقوم على "مدنية السلطة السياسية" وممارسة الشورى والبيعة، واحترام كرامة الإنسان وحريته مهما كان دينه، وكما قال عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

وعلى المستوى التاريخي، يمثل استمرار الوجود الديني لأتباع المسيحية واليهودية والصابئة، وغيرها من الأديان والمعتقدات، في البلدان التي حكمها المسلمون دليلاً واضحاً على احترام المسلمين لحرية الاعتقاد وإمكانية العيش جنباً إلى جنب مع أتباع تلك الأديان طيلة قرون طويلة. فقد شكلت نسبة السكان المسيحيين في سوريا في مطلع القرن العشرين قرابة 25%، بالإضافة إلى أعدادهم الكبيرة في مصر والعراق والأردن وفلسطين. وكانت نسبة اليهود في بغداد في العهد العثماني تناهز 20%، ناهيك عن أعدادهم الكبيرة في مصر والمغرب واليمن. ولعل لجوء يهود إسبانيا إبان فترة محاكم التفتيش إلى المغرب العربي يمثل دليلاً آخر على تسامح المجتمعات الإسلامية وقبولها بالتجاور والتساكن مع أتباع الأديان الأخرى، ولا يعني ذلك خلو التاريخ الإسلامي من أخطاء أو مشكلات تجاه حرية المعتقد، لكن الحريات الدينية في المجتمعات الإسلامية كانت الأفضل في سياقها التاريخي.

لا يمكن تطوير فهمنا لحق حرية الاعتقاد دون تطوير منهجية علمية لفهم النص الديني وتفسيره، تستند إلى مقاصد الشريعة وتحقق مصلحة العباد. فهي رسالة عالمية تراعي تطور المجتمعات البشرية ولا تهدف إلى اصطناع مركزية ثقافية قهرية تفرض هيمنتها على الناس.

لا يملك الإنسان محاسبة أخيه الإنسان على معتقداته الدينية، خاصة وأن معظم الناس يتوارثون هذه المعتقدات كما يتوارثون ألوان جلودهم وأسماء عائلاتهم، ومن هنا كان موقف القرآن حاسماً في قصر وظيفة المؤمنين على التبليغ والتذكير، وإسناد الحساب للخالق وحده، فقال: "فَإِنمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" (الرعد: 40)، وقال: "فَذَكِّرْ إِنما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ". (الغاشية: 21).

ومن أبلغ الدروس التي تؤكد الممارسة العملية لحرية المعتقد في القرآن أن امرأة نوح وامرأة لوط قد امتنعتا عن الإيمان بالرسالة التي جاء بها زوج كل منهما ولم يجبر أي منهما زوجته على الإيمان! وهذا يجعلنا على يقين بأن ممارسة الإكراه الديني بعيدة كل البعد عن خلق الأنبياء والمرسلين. كذلك فإننا نجد القرآن ينتقد أقوام الأنبياء لمنعهم الناس من تغيير معتقداتهم واتباع ما جاء به المرسلون، وهذ يؤكد أن منع الإنسان من الإيمان بالديانة التي يختارها ليس من أخلاق الإسلام في شيء.

لا نجد في القرآن شيئاً عن عقوبة الإنسان الذي يغير معتقده؛ بل نجد العديد من الآيات التي تعطي للإنسان الحق باختيار معتقده، كما في قوله: "وَقُلِ الْحَق مِن ربكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29)، وقوله: "وَلَوْ شَاءَ رَبكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناسَ حَتىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99).

فالقرآن لم يأمر بهذه العقوبة وإنما جاءت تعاليمه مخالفة لهذه العقوبة، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [المائدة: 54] فالعقوبة لمن يخرج عن الإسلام كما يقول القرآن هي خسارته لمحبة الله، وليس قتله أو إلحاق الأذى به.

لا يتحقق معنى الإيمان بقهر الناس على صيغة واحدة من المعتقدات رغماً عنهم، وإنما يتحقق معناه عندما يملك الناس ألف خيار مختلف ثم تهفو قلوبهم طوعاً للإيمان الأمثل الذي يحقق لهم الأمن والرحمة والسلام. وإذا لم يكن من حق الإنسان الإيمان بالمعتقد الذي يريد فإن الدعوة إلى الإسلام لن يكون لها أي معنى! فالدعوة تقتضي أن يعيد الناس النظر في المعتقدات التي يولدون عليها ثم ينظرون فيما يُعرض عليهم من عقائد وأفكار تهذب أخلاقهم وترتقي بعقولهم وتحقق لهم الأمن والطمأنينة في مجتمعاتهم.

وهذا الذي نادى به القرآن حيث جعل الدعوة إلى الهداية لا تكون إلا بثلاثة طرق لا رابع لها: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِن رَبكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَل عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل: 125)، فأول طرق الدعوة هي طريقة الحكمة التي تخاطب العقول بالبراهين، وثانيها طريقة الموعظة الحسنة التي تعبر عن معاني الرحمة ومشاعر حب الخير للمدعو، وآخرها طريقة الجدل التي تلتزم أدب الحوار والجدل بالتي هي أحسن. 

وإذا كان هذا حال طرق الدعوة إلى الله، فلا معنى لمن يتخذ من العنف والبغضاء طريقاً للدين. فالغايات والمقاصد النبيلة لا يتوسل إليها بالإكراه والغلظة أو بغيرها من الطرق التي تقمع حرية الإيمان ولا تناسب الغايات النبيلة التي نادى بها القرآن، وفي مقدمتها الرحمة بالعالمين وإقامة القسط بين الناس أجمعين.

إن حرية المعتقد هي الأساس الأول الذي تقوم عليه التعددية الدينية التي يحترم فيها الجميع على اختلاف تصوراتهم ومعتقداتهم، وهذه الحرية هي التعبير الأوضح عن عدالة الله الذي لا يعجزه خلق الناس على ملة واحدة، وإنما اقتضت حكمته أن يخلق الناس شعوباً وقبائل مختلفين في معتقداتهم وثقافاتهم، ثم يدعوهم إليه بالرفق والحسنى ليأتوه عن محبة وطواعية.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

آراء الكتاب

"العداء الديني" ليس دينياً

د. عامر الحافي

14-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة