يدرك العقلاء أن الخلل عندما يكون داخلياً في منهج فهم الدين فإن مساحة المشكلة تكون أكثر ضرراً من تلك التي ينسبها الكارهون للدين من خارجه. ولعل من أكثر المشكلات التي نواجهها اليوم في هذا المجال هي مشكلة استخدام النص الديني لتبرير الاختلالات الحقوقية التي تراكمت في مجتمعاتنا والاستدلال بالقرآن على اخفاقاتنا وتبرير مشكلاتنا، وهنا سأناقش مقولة لبعض الدعاة المعاصرين الذين يتخذونها ذريعة لمنع عمل المرأة خارج بيتها انطلاقاً من قوله تعالى: "فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى" (طه: ١١٧). وهنا أقتبس من الشيخ الشعراوي قوله: "ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه: "فتشقى" ولم يقل: فتشقيا؛ مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقرُّ في البيت؛ لتحتضن الأبناء، وتُهيِّئ السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. أما القيام والحركة فللرجل. فالحق سبحانه يقول: "فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى" (طه: ١١٧) إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود". انتهى كلامه.
نبدأ من فهم الشيخ لمعنى الشقاء والذي يعتبره مرادفاً لمعنى التعب والكدح والذي يتنافى بكل وضوح مع قوله تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه". فالكدح هو تعب جسماني طبيعي ينتج عن بذل الجهد في العمل ولا علاقة له بالمعصية، بل هو داخل بمعنى الطاعة والعبادة، بينما الشقاء هو صفة نفسية وروحية تلحق بالإنسان نتيجة المعصية والظلم، فالشقاء في الآية هو شقاء الذنب وليس ما ينتج عن العمل البشري من كدح وتعب.
ولذلك وصف القرآن أهل النار بأنهم "الَّذِينَ شَقُوا": ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود: 105، 106) ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ (المؤمنون: ١٠٦) ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ (الليل: ١٥) فالشقاء لم يستعمل في القرآن بمعنى التعب الناتج عن العمل وإنما جاء بمعنى العناء الناتج عن اقتراف المعصية والخروج عن الهداية.
إن المتأمل في القرآن يدرك أن كثيراً من الآيات التي ذكر فيها آدم في القرآن لا تخص آدم "الذكر" دون آدم "الأنثى"، كما جاء في سجود الملائكة لآدم "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا" والذي هو سجود لآدم "الآدمية" الذي يجمع الإنسانية كلها وليس آدم "الذكر"، وكذلك الحال في آدم الذي علمه الله الأسماء "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"، وبالتالي فإن عقاب آدم بالشقاء "فتشقى" يشمل زوجه التي تتحمل معه نتيجة اتخاذ القرار والوقوع في الخطأ ذاته. وهذا واضح في الآية التي أعقبت هذه الآية بست آيات: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ"؛ فالشقاء هو مصير من لا يتبع الهدى، وهذا ما نجده واضحاً في آية أخرى تذكر هذه المسؤولية بصيغة المثنى بكل وضوح: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ" (البقرة: 35) فالظلم الناتج عن الخطأ وقع عليهما جميعاً وكذلك معنى الشقاء في الآية السابقة.
إن النظرة التفسيرية التي تقصي المرأة عن العمل والإنتاج خارج بيتها تتفق والثقافة الاجتماعية التي جاءت في سفر التكوين، والتي جعلت العمل خارج البيت هو عقوبة لآدم دون حواء بسبب خطيئته: "وقال للمرأة تكثيراً أكثّر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولاداً. وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك. وقال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل". (تك 3: 16-18).
ثم إن جعل المشقة محصورة بالعمل خارج البيت هو أمر بعيد عن الواقع تماماً؛ فالعمل في البيت قد يكون أكثر مشقة من كثير من الأعمال التي تكون خارج البيت. إن قيمة العمل لا تقتصر على المجال الديني فحسب وإنما تشمل عملية العمران والرقي الحضاري بأجمعها، وعمل المرأة هو تحقيق لذاتها وتعبير عن قدرتها على الإنتاج واتخاذ للقرار والاستقلال المالي والإسهام في تحقيق التنمية والنهوض.
وإذا رجعنا إلى عمل المرأة في القرآن فإننا نجد علاقة متوازية بين مسؤولية الفعل ومساحة الحرية التي يمنحها المجتمع للإنسان، وهذا يعني أنه كلما كانت مجالات الحرية أوسع فإن مسؤولية المرأة ستكون أكثر، وهذا نجده في الآية التي تتحدث عن عقوبة "المرأة المستعبدة" التي تمثل نصف عقوبة "المرأة الحرة": "فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ" (النساء: 25). وعلى هذا الأساس فإن تباين حقوق الفرد في المجتمع لا يعود إلى أسباب بيولوجية أو عقائدية لا يمكن تغييرها، وإنما يرجع إلى اختلاف الأدوار الاجتماعية التي يمنحها المجتمع للمرأة. فكما أن المرأة التي لا تملك حريتها تعامل كنصف امرأة من حيث مسؤولية العقوبة في الزنا فإنها عندما تنال حريتها ستكون عقوبتها كعقوبة المرأة الحرة والتي لا تختلف عن عقوبة الرجل.
ولنأخذ مثالاً عملياً على علاقة الحقوق بالأدوار الاجتماعية وهو مسألة شهادة المرأة التي اعتبرها القرآن نصف شهادة الرجل: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ". (البقرة: 282). وهذا الحكم كان ناتجاً عن القيود التي وضعها المجتمع قبل الإسلام على حرية المرأة، كما هو الحال مع قيود الرق والاستعباد التي لم يكن الإسلام مسؤولاً عنها لكنه قبلها وتعامل معها بتدرج من أجل تغييرها لا من أجل الإبقاء عليها! وهكذا فإن نصف الشهادة كان متسقاً مع الواقع الاجتماعي الذي وضع قيوداً لحرية الحركة الاجتماعية للمرأة وجعلها دون التي يمنحها للرجل، ولكن عندما يتقدم المجتمع ويفسح المجال للمرأة في العمل والحركة والإنتاج فإن شهادتها يجب أن تصبح كشهادة الرجل، خاصة وأن أهليتها العقلية والمعرفية لا تقل عن أهلية الرجل.
ويقدم القرآن تعليلاً عملياً لقضية نصف شهادة المرأة بإرجاعها إلى إمكانية الخطأ والضلال، ولا تعود إمكانية ذلك الضلال إلى علة ذاتية لا يمكن إصلاحها وإلا كانت شهادة المرأة مستبعدة على الإطلاق، فنحن أمام تكوين معرفي وتعليمي للمرأة لم يؤهلها للقيام بأدوارها الاجتماعية كما أهل الرجل، وعندما ينجح المجتمع في تأهيل أبنائه على مهاد واحد وسوية واحد فعندها سيكون الجميع على قدر واحد وستكون شهادة كل إنسان على قدر واحد.
إن التعذر بالأخلاق لسلب حق المرأة من العمل لا يقل سوءاً عن التعذر بها لحرمان العبيد من حق المساواة مع الأحرار، والواقع أنه لا يوجد عمل من الأعمال سواء قام به الرجل أو المرأة يمكن أن ينفع المجتمع دون ضوابط أخلاقية، فوجود هذه الضوابط هو من أجل تيسير العمل وتحقيق غاياته وليس حرماناً للعامل من حق القيام به.
وأما حرمان المرأة من العمل بدعوى حرمة الاختلاط فإن الاختلاط يمثل ضرورة حياتية بين الناس جميعاً، وليس المطلوب منع الاختلاط وإنما تنظيمه. فمنع الاختلاط على إطلاقه مستحيل، فمن دونه لا نحقق التعارف والتعاون والإعمار الذي هو غاية لوجود الإنسان، وهنا يجدر بنا استحضار عمل خديجة رضي الله عنها بالتجارة قبل البعثة وبعدها، وعمل النبي عليه الصلاة والسلام معها لم يكن خروجاً عن تعاليم الدين والأخلاق وإنما كان عملها نموذجاً لما تملكه المرأة من مواهب وطاقات تنفع أسرتها ومجتمعها، ولولا عمل النبي مع خديجة لما كان قد عرفها وتزوجها.
أما الآية التي يستدل بها المانعون لعمل المرأة خارج بيتها، وهي قوله تعالى: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ" (الأحزاب: 33) فقد جاءت في سياق نقد الحديث عن المشكلات الأخلاقية التي كانت سائدة في المجتمع العربي، فموضوع الآيات كان في النهي عن الخروج للتبرج والمكث في البيت جاء في مقابل ذلك الخروج ولم يكن منعاً لحق العمل للمرأة ابتداءً.
يجب أن يدرك الدعاة والباحثون المسلمون اليوم أن نسبة موقف أو حكم للإسلام أو القرآن يجب أن يستوعب النظرة العالمية للرسالة التي تنفتح على الشأن الإنساني وتدرك مراحل نموه وتطوره، وتسعى إلى تحقيق العدل والرحمة بين الأمم والشعوب على اختلاف ألوانها وأعراقها.
وهنا نبدأ في بناء التصور العقلي للموضوع قبل الذهاب إلى الأحكام الشرعية، وهذا يعني أن سؤال مشروعية عمل المرأة وهل هو جائز أم لا هو سؤال ينطوي على جهل لماهية إنسانيتها، فالمرأة بطبعها عاملة؛ فالعمل هو سمة وجودية للكائن البشري سواء كان ذكراً أو أنثى، ولذلك يؤسس القرآن نظرته الدينية على العلاقة بين العمل والحياة الطيبة، قال الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: 97)، فالعمل ليس شقاءً للرجال وإنما هو حق للرجال والنساء جميعاً، وهو الطريق إلى الحياة الطيبة عندما نتقنه ونوجهه نحو صالح وصلاح الفرد والمجتمع والبشرية.