من العادات الفكرية السيئة التي أرساها "الإخوان المسلمون" منذ ظهورهم سنة 1928م -والتي أدت إلى تكريس وهم جماعي يعوق عن التفكير السليم في بلدان منطقتنا، كما ساهمت في إجهاض فكرة زعماء الإصلاح التي يختزلها السؤال "لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟"- القول إن الغرب متفوق مادياً وتقنياً ولكنه متهافت قيمياً وأخلاقياً، مما يؤدي حتماً إلى اعتبار حالتنا في هذا الجانب أفضل من الغرب. والحال أننا من الناحية القيمية نعاني من تردٍّ خطير جداً؛ بدليل شيوع الغش والسرقة واختلاس المال العام والاحتكار والهروب من المحاسبة وأداء الواجب، مع شيوع العنف ومواقف التمييز العنصرية وانتشار الخرافة والدجل والجهل الذي يصعب اقتلاعه بسبب تقديسه، بينما تحتل الدول الغربية الرتب الأولى عالمياً في كل هذه القضايا.
وقد ظهرت بعد هذه الفكرة موجة أخرى اعتمدت المؤلفات والدراسات العلمية التي تتناول بعض مشاكل المجتمع الغربي بالنقد، وهي مؤلفات ودراسات أنجزها باحثون غربيون عن بلدانهم، وتتضمن اعترافاً صريحاً بوجود مشاكل أدى إليها تطور النظام الليبرالي، وهي بذلك مؤلفات ودراسات تدخل في باب النقد الذاتي الذي يمارسه الغرب من خلال عقلانيته العلمية التي أرساها على مدى قرون من التطور، لكن الطريقة التي يوظف بها بعض أعضاء النخب التقليدية تلك المؤلفات أدت إلى تعميق الوهم عوض خلق نهضة فكرية وقيمية تساعد بلدان منطقتنا على النهوض والتطور؛ حيث يتم تقديم كتب "نقد الحداثة" على أنها دليل على "تهافت الحداثة" وعدم جدوى التحديث، مع العلم أن بلداننا ما زالت تعاني بسبب ضعف مسلسل التطور فيها واستحكام عوائق التقليد التي أدت في الأصل إلى دخول هذه البلدان تحت وصاية الاستعمار، ثم التبعية لمدة غير يسيرة.
كما تم تقديم كتب نقد نتائج العلوم التي قام بتأليفها إبستمولوجيون غربيون كبار على أنها دليل على أن تلك العلوم "نسبية" و"متهافتة" ولا ترقى إلى مستوى "الحقائق الدينية الثابتة"، وكأن هناك وجهاً للمقارنة أصلاً بين العلوم والديانات، وكأننا استطعنا أن نفعل شيئاً إيجابياً بتلك "الحقائق الثابتة" التي جمدت العقل وجعلت مجتمعاتنا تفضل الركون إلى التقليد والاجترار على التفكير النقدي الحي واليقظ، مما جعلها تعاني من تأخر تاريخي كبير على مستوى بنيات البحث العلمي ومناهجه ومنطقه.
وتم تقديم كتب نقد تفكك الأسرة الغربية على أنها دليل على أن "أسرتنا مستقرة"، بفضل الحفاظ على نمط العلاقات التقليدية العشائرية، بينما الحقيقة أن "استقرار الأسرة" في البلدان الإسلامية يتم الحفاظ عليه بسبب العنف وأخلاق الطاعة والإخضاع وتحقير النساء وجعلهن تحت الوصاية، فهو استقرار قسري أدى إلى تحجيم طاقات النساء ومردوديتهن في المجتمع، وكبت قدرات الأطفال وطاقاتهم، بينما تعاني الأسرة في الغرب من تفكك يعود أساساً إلى تعقد الحياة الغربية وتطورها السريع، وبسبب استقلال شخصية المرأة التي لا تقبل العنف أو الاستعباد، وتفضل داخل الأسرة علاقات قائمة على الحب والاحترام المتبادل.
لا ينتبه التيار الديني المحافظ إلى أن نقد الذات في الغرب هو من عوامل التطور، وأن تقديس حالتنا أو الإشادة بها يؤدي إلى جمودها وإلى مزيد من التأخر، حيث لا يتم رفض الحلول التي تعكسها تجارب الغير في غياب بديل حقيقي.
تعكس هذه الظواهر السلبية دور آلة الدعاية في طمس الفكر النقدي وتحويل السلبيات إلى مفاخر، بينما المطلوب في السياق الراهن الانكباب على دراسة مجتمعاتنا بشكل علمي موضوعي ووضع اليد على أعطابها الخاصة ومحاولة استلهام التجارب الناجحة مع ملاءمتها مع واقع هذه البلدان، وكل حنين إلى إعادة إنتاج ما كان منذ قرون على أنه حل جاهز لن يؤدي إلا إلى مزيد من التقهقر.