ليست الفلسفة غريبة عن بيئة الثقافة العربية الإسلامية، فتراث الفلاسفة المسلمين من الكندي والفارابي وابن سينا إلى ابن رشد وصدر الدين الشيرازي، وغيرهم، دليل على إسهامات الثقافة العربية في إغناء الفكر الفلسفي الإنساني، غير أن الواقع منذ قرون يشهد بحالة من العطالة التي طالت حضور الفلسفة في ثقافتنا العربية، ولعل ذلك أحد أهم الأسباب وراء وضع التأخر التاريخي للحضارة العربية الإسلامية ولتفشي نزعات الانغلاق والتشدد والاستلاب وبخاصة في صفوف الأجيال الشابة التي تتنازعها التيارات من مختلف الاتجاهات وتبقى إزاءها في حالة من الذهول والانجذاب لا قدرة لها على التمحيص والفحص الدقيق وتمييز المفيد والنافع منها من الضار.
يدفعنا هذا الوضع المنذر بالأخطار التي تحدق بمستقبل تلك الأجيال، وما تشكله بالتالي من تهديدات جسيمة لاستقرار المجتمعات وقدرتها على الاستجابة الناجعة لما يحيط بها من تحديات وعلى تلبية طموحاتها في اللحاق بركب الأمم المتحضرة، إلى التفكير في الطرق المثلى لتأهيل الأجيال الجديدة والناشئة. وتمثل الفلسفة في هذا المضمار أحد أهم الأدوات التربوية لما لها من تأثير عميق في صياغة الوعي، ولما تمنحه من قدرة لدى الناشئة على التفكير العقلاني والنقدي، وهو ما يفضي إلى بناء شخصية تتميز بالاستقلالية الفكرية تختبر المعطيات والفرضيات وتضعها في ميزان النظر العقلي، وتبني اختياراتها بوعي ومسؤولية.
ففي الواقع، تقدم الفلسفة الإطار الذي يمكن من خلاله للمتعلم في بداية تكوينه وفي المراحل الأولى لتفتح وعيه على العالم أن توجهه إلى طرح التساؤلات المرتبطة بوجوده وكينونته وبما يدور حوله من أحداث وظواهر، وإلى التفكر في المعاني والقيم، وإلى فحص الأدلة للتمييز بين الرأي والحقيقة، وإلى امتلاك القدرة على تمحيص سيل المعلومات المتدفقة التي تغمره لا سيما في هذا الزمن الذي يشهد طفرة رقمية هائلة تجعل الناشئة أمام تأثيرات الاتجاهات المختلفة وبخاصة المتطرفة منها الساعية إلى الهيمنة عبر الاستقطاب والتلاعب بالعقول.
إن الفلسفة لا تلقن المتعلمين أجوبة وحلولاً جاهزة ولا توجههم نحو أفكار بعينها، وإنما تعلمهم كيف يفكرون باستقلالية ومن خارج اليقينيات المسبقة والمسلمات الموروثة، وكيف يتحاورون ويتدربون على مهارات التواصل وإدارة الاختلاف دون خوف أو تبعية أو انفعال أو تعصب، وكيف يطرحون أفكارهم ويدافعون عن آرائهم ويبنون قناعاتهم الخاصة بملء إرادتهم وعلى أسس منطقية وأخلاقية قوامها الانسجام والنزاهة والصدق مع الذات مما يعزز الثقة بالنفس وتغرس فيهم القدرة على التعايش مع الآخر في كنف الاحترام، وتقبل المخالفين والتسامح معهم.
إن إدراج الفلسفة في المناهج التربوية في مختلف المراحل التعليمية من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية أمر ضروري من أجل ترسيخ الوعي النقدي والنزعة العقلانية، ومن أجل استنبات القيم الحديثة واستبطانها في بنية التفكير منذ مرحلة مبكرة من تكوين المتعلمين، وهو ما يساعدهم على الابتعاد عن التسليم الأعمى بالأفكار والمعتقدات والآراء دون تحقق وبحث وجمع الأدلة والحجج، ما يدفعهم إلى إعادة النظر ومراجعة ما اعتبر بداهات مطلقة لا تقبل النقاش، ويقودهم إلى رفض التقليد والوصاية، ما يحد من انتشار الخرافة والأفكار المغلوطة التي تعمل بعض الجماعات الأيديولوجية على نشرها من أجل إحكام السيطرة وإحداث الفتن والانقسامات داخل المجتمع. فالفلسفة من هذا المنظور تغرس الروح النقدية، وترتقي بملكة التفكير والتحليل، وتنمي القدرة على التواصل بروح الانفتاح على الآخر وقبول التعايش معه والاستعداد لتعديل الآراء في ضوء ذلك، وهو ما يلجم النزعات المتعصبة والعدوانية بتنسيب مشاعر الانتماء والتخلي عن التمركز حول الذات، وتجعل التجربة الإنسانية أكثر ثراءً، وتهيئ المتعلم للتكيف مع الواقع بكل مستجداته وتعقيداته، وتساعد على فتح آفاق المعنى إذ يدركون أن الحياة والأشياء لا يمكن حصرها في معنى واحد جامد، فالمعنى يتشكل من خلال وجهات نظر متعددة ومتنوعة، وهو ما يضعهم أمام إمكانية إعادة فهم أنفسهم وعلاقتهم بالوجود وطريقة حضورهم في العالم بطريقة خلاقة وتفاعلهم المبدع مع ما يشهده من تحولات.
وهكذا نتبين أن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، وليست مجرد مادة تعليمية كسائر المواد التي يتلقاها المتعلم في مساره الدراسي، بل هي وسيلة تربوية وفكرية بالغة الأهمية في تكوين النشء، وفي هذا الإطار يعتبر الخبير التربوي الأردني حسني عايش أن "تعليم التفكير الناقد للتلاميذ هو وسيلة متينة، كما أنها ضرورية، لبلوغ الكمال الأخلاقي والمواطنة المسؤولة". والخلاصة أن الأمر يتعلق باستثمار في المستقبل، فبقدر ما يتجذر لدى الناشئة التفكير الفلسفي وتترسخ آلياته، يضمن المجتمع تكوين جيل متملك للأدوات الأساسية للتحليل والفهم، مشبع بالقيم الأخلاقية والإنسانية، وقادر على تحمل المسؤولية وعلى مواجهة التحديات بفاعلية ونجاعة، ومندمج في الحياة بثقة وعقل منفتح. ولعل ذلك من المفاتيح الأساسية لتدارك التأخر التاريخي والإسهام في الحضارة الإنسانية المعاصرة.