لباس التقوى: عندما يصير اللباس وعياً

21-08-2025

في عالم يقيم الإنسان فيه وزنه على ما يظهر من زينته لا ما يستبطن من قيمه، في عالم يركز فيه الكل على القشور بدل اللباب، وعلى المبنى دون المعنى، تعترضنا آية قرآنية لتقلب كل المفاهيم المتداولة في عصرنا وفي كثير من العصور، تأتي آية قرآنية واحدة لتخلخل البنية السطحية للوعي، وتنقلنا من مفهوم اللباس كقماشٍ يغطي الجسد، إلى لباس يغلف الروح، ويصنع الذات.

قال تعالى:

﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26).

هذه الآية عند التأمل والتدبر لن تجدها فقط وصية أخلاقية أو إشارة دينية إلى الستر، كما يشاع عند المفسرين، ويؤيده الفقهاء، بل هي إعلان فلسفي عن ثنائية الوجود الإنساني: الجسد والروح، الظاهر والباطن، الضرورة والزينة، والوعي.

في هذه الآية، تتجاوز مفردة "اللباس" معناها الظاهري الذي يستر الجسد، لتنسل إلى عمق الوجود الإنساني، حيث تلامس ثنائية الجسد والروح، الظاهر والباطن، الغريزة والعقل.

يُخاطَب الإنسان من حيث هو كائن يتجاوز البعد المادي، لذلك فمفهوم اللباس في هذه الآية أيضاً يتجاوز تلك الحدود الضيقة التي رسمها رجل الدين الذي لا يرى في الإنسان إلا كائناً سقط من السماء إلى الأرض يبحث فيها عن ما يغطي هشاشته، لا فقط أمام الآخرين، بل أمام نفسه أيضاً. 

لكن البيان القرآني لا يسعف الفقيه في فهمه، ولا الفقيه بما يضعه لنفسه من حواجز الرواية والتقليد يستطيع أن ينفذ إلى عمق المعنى الذي يتجاوزه إلى أبعاد عميقة بل وفلسفية تلغي المعنى السطحي للألفاظ، لتغوص في باطنها، فـ"لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ" هو لحظة وعي الإنسان بعريه الأول، ذلك العري الذي ليس جسدياً فقط، بل هو انكشاف داخلي لفجائعية الوجود، لمحدوديته، لنقصه البنيوي.

لكن الله لا يكتفي بإعطاء الإنسان ما يُخفي سوأته، بل يضيف: "وريشا". والريش هنا ترميز أنيق للزينة، للتجمل، للتجاوز. إنه اللباس الذي لا يقف عند الستر المادي الضيق، بل يمنح الإنسان كرامة وهيبة، يرفعه من مجرد كائن بيولوجي إلى كائن جمالي. وكأن الآية تقول: لقد منحتكم ما يستر جسدكم وما يجمّله، لكنّ الجمال الحقيقي لا يكون إلا في "لباس التقوى".

وهنا تقفز الآية قفزة نوعية: من المادة إلى المعنى، من القماش إلى القيم. فـ"لباس التقوى" ليس لباساً يُشترى، بل يُكتسب، يُنسج من خيوط الضمير، من الصدق، من العدل، من الاستقامة. هذا اللباس لا يُرى بالعين، لكنه يُحس بالحضور، ويُفصح عنه السلوك.

وحين تختم الآية بـ ﴿لعلهم يذكّرون﴾، فهي تحرك فينا نداء الذاكرة: تذكر أصل عريك، وتذكر من أنزل عليك اللباس، وتذكر أن أجمل ما يمكن أن تلبسه ليس ما يراه الناس، بل ما يراك الله به. اللباس الخارجي وسيلة، أما الداخلي، فهو غاية.

وهكذا، تصبح هذه الآية مرآة للذات: تعرض علينا صورتنا بين ما نخفيه عن الناس وما نخفيه عن أنفسنا. وتدعونا لأن نلبس الروح لباس السمو وألا نقبع في المظاهر والأشكال، وأن نمنح أنفسنا، ذكوراً وإناثاً، "ريشاً" من التقوى نحلّق به نحو إنسانيتنا الحقة.

في النهاية، الآية تضع أمامنا خيارين وجوديين:

إما أن نلبس لنخفي، أو نلبس لنُظهر.

إما أن نستر أجسادنا، أو نغلف أرواحنا بالتقوى.

إما أن نشغل بما على الجسد، أو نشغل بما في الضمير.

فهل نقف عند "ورق الجنة" الذي غطى السوأة، أم نرتقي إلى "لباس التقوى" الذي يكشف النور فينا؟

ذلك سؤالٌ نطرحه، لا ليُجاب عنه، بل ليوقظ المسلم من غفلته.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم رؤية قرآنية

رشيد إيلال

07-07-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

ارسل بواسطة