يتساءل الكثير من المواطنين من حاملي الوعي الحداثي والديمقراطي عن السبب الذي يجعل خطاب التطرف الديني منتشراً وسهل الإقناع، سواء لدى بعض النخب المتعلمة أو عند العامة على وجه الخصوص، والحقيقة أنه سؤال مهم يسمح لنا بإبداء بعض الملاحظات والمعطيات المفسِّرة لهذه الظاهرة.
ولعل أول عامل يُمكّن الخطاب الديني من الإقناع هو هشاشة الجانب النفسي لدى الأفراد أمام فكرة الموت، أي إزاء السؤال الميتافيزيقي الخالد "ماذا بعد الموت؟"، ففي غياب جواب حاسم ونهائي عن هذا السؤال، يميل الغالبية من الناس إلى الأجوبة الجاهزة التي توفرها الأديان، والتي رغم أنها أجوبة غير مقنعة للعقل، فإنها مريحة للوجدان، وتُمكن الفرد من الحصول على درجة من الطمأنينة يحتاج إليها وجودياً. هذه الهشاشة النفسية التي يتراجع فيها العقل أمام قوة العاطفة والوجدان هي محور اشتغال رجل الدين والداعية والخطاب الديني عموماً؛ حيث يقومون باستغلال لحظات الضعف البشري لتمرير خطابهم السياسي بعد ذلك، ولهذا يبدأ الدعاة بموضوع الإيمان والصلاة والنار والعقاب والجنة والجزاء، لينتهوا إلى سَوق الأفراد وتجييشهم للمشروع السياسي عن وعي أو غير وعي منهم، ذلك لأن الأفراد انطلاقاً من تسليمهم بالبديهيات الدينية الإيمانية يجدون أنفسهم منساقين بشكل آلي وراء الخطاب الديني المسيَّس الذي يعتمد مفاهيم "الأمة" و"الدولة" و"الشريعة" و"المعروف" و"المنكر".. إلخ.
أما العامل الثاني المؤثر الذي يؤدي إلى هيمنة الخطاب الديني المتشدّد فهو فشل الدول القُطرية الوطنية في إنجاح مشروع التحديث من الداخل، وإحقاق حقوق وواجبات المواطنة؛ حيث يؤدي الشعور العام بالإحباط والغبن وعدم الرضا إلى الارتماء بين أحضان الفكر المتطرف، اعتقاداً في أنه يمثل "البديل" الذي يصبون إليه أو يمكّنهم من الثأر لواقعهم. وهذا يعني أن الأفراد الذين هُم في وضعية هشاشة نفسية هم أيضاً في نفس الوقت في وضعية هشاشة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعلهم أكثر استعداداً لتقبُّل الخطاب الديني المتطرف، بل إن التديّن المعتدل والسمح يبدو لهم غير مقنع بسبب حاجتهم إلى أيديولوجيا مُعبّئة ومضادة، وهذا ما يفسر أن بعض فقهاء التنوير الذين يتخذون مواقف عقلانية في قراءتهم للنصوص الدينية، منحازين بذلك للكرامة الإنسانية، لا يجدون آذاناً صاغية من الجمهور الواسع الذي يُفضل خطاب التطرف ويميل إليه باعتباره "الدين الصحيح".
ومن العوامل كذلك "لغة الخطاب" الديني، التي تتميز دائماً باليُسر والبساطة والسطحية، مع قدر كبير من الشعبوية وإخفاء الحقائق والسكوت عن التناقضات واستدرار العواطف واستمالتها، مما يجعلها في متناول الجميع وخاصة جماهير العامة، بينما تحتاج النخب العلمانية إلى استعمال مفاهيم ترتبط بالمعجم الحداثي والديمقراطي الذي هو بحاجة إلى بعض الإلمام بالمرجعيات الفلسفية والتاريخية لفهمه واستيعابه.
أما العامل الرابع الذي يفسر الظاهرة التي نتناولها فهو اعتماد بعض القضايا السياسية الراهنة بعد إسباغ الطابع الديني عليها واستعمالها أداةً للتعبئة؛ وذلك مثل استعمال القضية الفلسطينية التي هي قضية سياسية، بتحويلها إلى قضية دينية عبر الحديث عن "الأقصى" أو التذكير بحروب العرب الأولى ضد اليهود، رغم أنها كلها قضايا ووقائع لها سياقها التاريخي الخاص ولا علاقة لها بالسياق المعاصر.
تقتضي هذه العوامل مناقشتها والتعامل معها بذكاء، وذلك عبر استعمال لغة وسطى بعيدة عن النزعة الأكاديمية، مع قدر كبير من الوضوح والشفافية والابتعاد عن النزعة التوفيقية، وإحالة الأفراد على تناقضات واقعهم والكشف عن أخطاء الخطاب الديني المتشدّد وتناقضاته، والعودة إلى التاريخ لتقديم المعطيات والوقائع الصحيحة التي يقوم الخطاب الديني بإخفائها والتستر عليها، وإبراز بعض الجوانب المضيئة في الفكر الديني الإسلامي لدى بعض الفقهاء المجدّدين، سواء في الماضي أو الحاضر، والذين يتم دائماً تهميشهم من طرف الخطاب الديني السائد.