لماذا يستهين الوعي الإسلامي بالأقليات الدينية والثقافية؟

23-07-2025

ثمة تناقض كبير في الفكر الديني الإسلامي بين فكرة التسامح وسلوك الغصب والقهر للأقليات في المجتمع الإسلامي، فإذا كان البعض يستحضر "وثيقة المدينة" كنموذج للتعايش بين المكونات الدينية المختلفة، فإن التاريخ يخبرنا بأن تلك الوثيقة لم تعرف طريقها نحو التطبيق، حيث سرعان ما انعطف الفكر الديني بعد تأسيس المذاهب الفقهية نحو التعامل بشكل تمييزي صارم مع الأقليات الدينية، وكان منطلق هذا التغيير ما سمي بـ"العهدة العمرية" التي يقصد بها الوثيقة التي وقعها الخليفة عمر بن الخطاب مع أهل "إيليا" أي مدينة القدس، والتي تضمنت مبادئ تعتبر على العموم غير المسلمين من "أهل الذمة" مواطنين من الدرجة الثانية، يلزمون بالخضوع لوصاية المسلمين، حيث تنص هذه الوثيقة على أنه إذا كان مسموحاً لأهل الكتاب الحفاظ على بيوت عبادتهم إلا أنهم مرغمون على عدم بناء كنائس وبيع جديدة أو ترميم الكنائس القديمة، كما تنص على عدم السماح "للذميين" بركوب الخيل إذ تم إلزامهم بركوب الحمير والبغال فقط، وبعدم صباغة بيوتهم بالألوان الزاهية، أو التطاول في البنيان حتى تتجاوز بيوتهم علو بيوت المسلمين، وألزم أهل الذمة كذلك باستضافة غرباء المسلمين وإيوائهم وإطعامهم دون أن يكون المسلمون ملزمين بالعكس، ولعل أفدح أشكال التمييز ضد "أهل الذمة" كان يتجلى في طريقة دفع الجزية، حيث فسر الفقهاء الآية: "... يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"، بضرورة إذلال اليهود والنصارى وإهانتهم أثناء دفع الجزية من خلال: "أن يقبضها المسلم وهو جالس، ويدفعها الذمي وهو واقف، وعندما ينحني يضرب على قفاه بالنعال، وقيل توطأ عنقه". هذه المعاملة السيئة كان الهدف منها حسب ابن تيمية دفعهم إلى مغادرة دينهم واعتناق الإسلام الذي هو وحده "الدين الحق".

هذه الضوابط التي كانت تعكس على العموم نظاماً تمييزياً مخالفاً كلياً لما سمي بـ"وثيقة المدينة" التي كانت مبنية على الاحترام المتبادل بين المسلمين وغيرهم، ترسبت في الوعي الإسلامي بعد قرون طويلة من تلك الممارسات، واستبطنها وعي المسلمين على أنها من البديهيات الواجبة، إلى أن حلت الأزمنة الحديثة التي جاءت بفكرة الدولة الوطنية، والمواطنة الجامعة بين الأفراد دون تمييز باللون أو العقيدة أو اللسان أو العرق، وظهرت فكرة "الوطن للجميع" بدل الطائفية والمذهبية التي تفرق أكثر مما تجمع.

وقد حاول العقل الفقهي المعاصر منذ بداية القرن العشرين تجاوز الأفكار التمييزية بعد اندثار "نظام أهل الذمة" الذي لم يعد ممكناً اعتماده في ظل الدولة الوطنية الحديثة، لكنه اصطدم برسوخ الأفكار التمييزية بسبب استمرار فكرة "الدين الصحيح" في مقابل "الديانات المحرفة"، وبسبب تداول التفسير المتعارف عليه منذ القديم لـ"الفاتحة"، حيث اعتبر الفقهاء أن "المغضوب عليهم هم اليهود" و"الضالين هم النصارى"، وتم الحفاظ على هذا التفسير داخل الأنظمة التربوية الحديثة نفسها في دول منطقتنا، مما نتج عنه تناقض كبير بين الوعي والممارسة، حيث إذا كانت الدولة الحديثة عملياً لا تعتمد التمييز بين مواطنيها بالدين أو العرق، إلا أن الأفكار المتداولة ظلت تكرس المعتقدات التمييزية السابقة، وقد زاد من تعميق تلك الأفكار السلبية استمرار الطائفية الدينية في عدد من البلدان بسبب فشل تجربة البناء الديمقراطي داخلياً، وتزايد الأطماع الخارجية أيضاً.

ويقتضي هذا الوضع كثيراً من الحزم بإنجاح الاندماج الاجتماعي لمختلف المكونات، وتغيير المضامين الدراسية ومضامين الخطب الدينية والوعي السائد من أجل تحقيق فكرة المواطنة الجامعة، انطلاقاً من مرجعيات الدولة الحديثة، ومن المرجعية الدينية نفسها أيضاً.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

الفكر الديني ومفهوم الطفولة

أ. أحمد عصيد

26-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة