بدأ ظهور فئة العلماء بشكل مؤسسي في الثقافة الإسلامية في القرنين الثاني والثالث هجرياً (الثامن والتاسع ميلادياً)، في علاقة برسوخ الدولة الإسلامية واتّساع رقعتها الجغرافية على عدّة أقاليم شرقاً وغرباً، وبروز الحاجة إلى تنظيم المجتمع على نحو يضمن تجانسه واستقراره، وقد صاحب ذلك عملية تحوّل تدريجية، خضع لها الإسلام مثل سائر الأديان، من التديّن العفويّ التلقائيّ كما كان سائداً في صدر الإسلام الأوّل، حيث اجتمعت في عهد النبّوة السلطتان الدينية والقيادية في شخص النبيّ (ص)، ثم برز لاحقاً في ما عُرف بعهد الخلافة الراشدة بعض الصحابة الذين عُرفوا بالعلم والتفقّه في الدين كابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت، إلى التديّن الممأسس؛ أي التديّن القائم على جملة من العقائد الملزمة والتشريعات المضبوطة المنظّمة للفئات الاجتماعية المختلفة، والمسطّرة لنظام العلاقات بينها وتوحيد أشكال التعبّد وطرق أداء الطقوس والشعائر.
وقد احتاجت مأسسة الدين كما بيّن عبد المجيد الشرفي في كتابه الإسلام بين الرسالة والتاريخ إلى تكوّن جماعة من المشتغلين بالشؤون الدينية. فقد تم تقسيم العلم، وفق ما وضّح الإمام الشافعي (ت 204هـ)، إلى ضربين؛ علم عامّة "لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله"، وعلم خاصّة وهو "درجة من العلم ليس تبلغها العامّة... ولم يكلّفها كلّ الخاصّة... والفضل فيها لمن قام بها على من عطّلها". وجاراه في ذلك ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) فجعل التفقّه في الدين قسمين؛ أحدهما "ما يخصّ المرء في نفسه"، والثاني "تفقّه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذراً لقومه وطبقته". وانقسم النّاس على هذا النحو إلى صنفين؛ صنف مكلّف في نفسه وهم العامّة، وصنف مكلّف في نفسه وفي غيره، وهم الخاصّة من أهل العلم. وقد أكد إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) هذا المعنى مميّزاً بين العوامّ وأهل التصرّف في الشرع قائلاً: "لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلَّد ويقلِّد مرتبة ثالثة".
ولقد اكتسب هؤلاء المشتغلون بالشؤون الدينية في مختلف حقول المعرفة الدينية أو ما يُعرف بالعلوم الشرعية من مفسّرين ومحدّثين وفقهاء وأصوليين ومتكلّمين، ومن مفتين وقضاة، مكانة رفيعة في الهيئة الاجتماعية، ومرتبة يفضَّلون بها على سائر الناس. وقد تضافرت الجهود التأويلية لآيات من القرآن من قبيل: "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" (فاطر/ 28)، "وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ" (العنكبوت/ 43).. وروايات لأحاديث نبوية على غرار "العلماء ورثة الأنبياء"، "رحمة على خلفائي، فقيل: من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله".. ليصبح هؤلاء العلماء المرجع الذي يسعف المؤمنين بالمعنى الدينيّ الشرعيّ، فقد كانوا العمدة في فهم كلام الله؛ فوضعوا أركان العقيدة التي بها يستقيم إيمان المسلم، وهم الميزان المعدّل لانتظام المجتمع والحافظ لتوازنه من خلال الاطمئنان إلى كفاءتهم في الاستنباط السليم للأحكام، بفضل ما أقرّوه من قواعد وأصول اعتُبرت جهة العلم.
وفي مقابل ذلك أُقصيت فئات واسعة من المجتمع عن النّظر في القضايا الدينية، وانحصر الأمر في يد علماء الدين، وليس على عوامّ الخلق، كما يقول أبو حامد الغزالي في كتاب يحمل عنواناً شديد الدلالة على هذا الإقصاء، وهو "إلجام العوام عن علم الكلام" إلا سبعة أمور وهي: "التقديس، ثمّ التصديق، ثمّ الاعتراف بالعجز، ثمّ السكوت، ثمّ الإمساك، ثمّ الكفّ، ثمّ التسليم لأهل المعرفة". وقد تعزّزت سلطة العلماء العلمية والروحية والأخلاقية مع تكوين مؤسسات تعليميّة تعمل داخل الدولة، على غرار المدارس النظامية التي أسّسها الوزير نظام الملك في العهد السلجوقي في القرن الخامس هجرياً، والتي جعلت العلماء وسطاء بين السائس والرعية يسطّرون للنّاس سبل النجاة من الضلال.
ولا تزال هذه الرؤية لعلماء الدين راسخة في بعض الأوساط إلى عصرنا الراهن، ولا تزال الدعوة إلى أن تواصل هذه الفئة احتكارها الخوض في القضايا الدينية وأن ترسم الطريق لسائر "المؤمنين" قائمة؛ فقد اعتبر حسن الترابي على سبيل المثال في كتابه "تجديد الفكر الإسلامي" أنّه "ينبغي على كل مسلم قبل أن يختار رأياً معيّناً أن يرجع إلى العلماء؛ فهم الهداة الذين يقترحون ويبسطون أمامنا الدين فيقولون: يجوز ذلك ولا يجوز هذا". ولكنّ تطوّرات الواقع اليوم وما تقدّمه من فرص لاكتساب العلوم والمعارف لكل فئات المجتمع، يدفع باتّجاه مراجعة هذه الرؤية، وفتح النقاش في القضايا الدينية وفق ما تقتضيه المناهج الحديثة، ولا سيّما مقاربات علوم الإنسان والمجتمع، ليكون نقاشاً عمومياً حراً، والإسهام فيه متاحاً للجميع على قدم المساواة.