يقرأ المسلم في صلاته فاتحة الكتاب، ويردد قول الله تعالى:
(اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
فهل يعي المسلم مضامين هذه الآيات كما أرادها الله؟ وهل يعرف حقاً ما هو الصراط المستقيم؟ ومَن هم أصحاب الصراط المستقيم؟
بدايةً نقول: اتفق المسلمون بكافة مذاهبهم على أن أفضل التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن؛ فقد ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (.. بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا) [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي، (1/8)].
وبناءً على هذا سنحاول تتبع آيات القرآن التي تضيء وتوضح لنا آيات فاتحة الكتاب التي نتلوها في صلواتنا.
ما هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله تعالى أن يهدينا إليه؟
وصف الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم).
وسنجد أن الشيطان توعد عباد الله قائلاً: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم).
وباستقراء لآيات القرآن سنجد أن الصراط المستقيم يُمثل العمل الصالح والجانب الأخلاقي والقيمي، والذي يُمثل مشتركاً إنسانياً، وعلى رأس ذلك الوصايا العشر والتي جاءت مجملة في سورة الأنعام في الآيات (151-153)، وجاء تفصيلها في سور أخرى مثل سورة الإسراء في الآيات (22-38)، وتتلخص بما يلي:
عبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، وإيتاء ذي القربى والمساكين وابن السبيل حقهم، والنهي عن البخل والتبذير، والنهي عن الفواحش، والنهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وحفظ مال اليتيم، والوفاء بالعهد، والوفاء بالكيل، والنهي عن التكبر.. إلخ.
هذا هو الصراط المستقيم، والذي يُمثل طريقاً واضحاً ومشتركاً إنسانياً يحفظ المجتمع ويجعله مترابطاً متماسكاً؛ فهو ليس شعائر ولا طقوساً تؤدى لتحقيق فائدة روحية شخصية، بل هو عمل صالح يتعدى الفاعل إلى الناس.
مَن هم (الذين أنعمت عليهم)؟
أما الذين أنعم الله عليهم فقد ذكرهم في قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) [النساء: 69].
هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم وهداهم إلى الصراط المستقيم من نبي وصدِّيق وشهيد وصالح.
أما المغضوب عليهم فهم كل من ذكره الله تعالى بغضب نتيجة سلوك اقترفه فاستحق الغضب على أساسه في كتابه:
فمثلاً قاتِل النفس التي حرم الله قتلها هو من المغضوب عليهم؛ لقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) [النساء: 93].
وجاء غضب الله أيضاً في الملاعنة في سياق الخيانة الزوجية: (والخامسة أن غضبَ الله عليها إن كان من الصادقين) [النور: 9].
وفي كلا المثالين السابقين نجد الغضب لمَن خرجوا عن الصراط المستقيم.
أما الضلال فهو عكس الهُدى، وقد جاء في سياقات عديدة، منها:
(أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئل موسى من قبل ومَن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) [البقرة: 108].
هذا مثال تطبيقي على تفسير القرآن بالقرآن، وبشكل إجمالي، ولا يتسع المقام للتفاصيل الكثيرة لتعميق الفكرة. أما أن يكون معنى الصراط المستقيم بأنه جسر ممدود فوق جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف يعبره المسلم حسب عمله، فلا يتفق مع آيات القرآن التي توضح الصراط بشكل مختلف كما ذكرنا سابقاً.
وأيضاً ما جاء في كتب التفسير من أن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين النصارى، فقد جانب الصواب، ويوجد تفصيل في ذلك:
فاليهود فيهم مَن هو على الصراط المستقيم وفيهم المغضوب عليهم وفيهم الضالون.
والنصارى فيهم مَن هو على صراط مستقيم وفيهم المغضوب عليهم وفيهم الضالون.
والمؤمنون برسالة محمد فيهم مَن هو على صراط مستقيم وفيهم المغضوب عليهم وفيهم الضالون.
فالملتزم بالعمل الصالح، وعلى رأسه الوصايا العشر، فهو على صراط مستقيم، بصرف النظر عن تسمية مِلّته؛ فالقيمة للعمل وليس للتسميات أو الأمنيات.
قال تعالى: (.. ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) [الأعراف: 43].
وقال تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً) [النساء: 123].
وقال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة: 62].
إن الصراط المستقيم وأصحابه من كل الملل والنحل، وكذا المغضوب عليهم والضالون من كل الملل والنحل؛ فالقيمة أولاً للعمل الصالح، وخاصة ما ينفع الناس، وليس للتسميات والأمنيات.