من أين تأتي الرغبة في طرد النساء من الفضاء العام؟

29-06-2025

بين الفينة والأخرى تبرز خطابات غريبة في المغرب تدعو إلى طرد العنصر النسوي من ملاعب الكرة أو من الشارع أو حتى من المساجد، فبعد حملة "ادخلي مطبخك" جاءت حملة "أمسك أختك"، ثم حملة "لا نساء في ملاعبنا"، وغيرها من الشعارات الخرقاء التي تبدو نشازاً غريباً وسط مجتمع يعرف تنامياً كبيراً للإسهامات النسائية في كل المجالات، كما يعرف على وجه الخصوص تفوقاً دراسياً ملحوظاً للفتيات وصل إلى نسبة 67 في المائة في نتائج الباكالوريا مثلاً، مما يجعل الحملات العدائية ردود أفعال متشنجة وتعبيراً عن تذمر العقلية الذكورية السلفية من الحضور القوي للمرأة المغربية في كل قطاعات العمل والإنتاج والنشاط الاجتماعي والفني والرياضي، هذا دون الحديث عن المجالات التي تشكل فيها المرأة أغلبية عددية واضحة كالتعليم مثلاً. فما هو مصدر هذه الحملات الغريبة؟ وما مرجعيتها؟

لقد سبق لعبد الإله بنكيران، رئيس الحزب الإخواني المغربي حزب "العدالة والتنمية"، أن عبر بنفسه أمام تجمع نساء حزبه عن أن المرأة "مثل الثريا" عليها أن تضيء بيتها، مؤكداً على أن "البيوت انطفأت منذ خرجت النساء إلى العمل"، وتحسّر على خروج المرأة من البيت بشكل سافر أدّى إلى أن الرجال لم يعودوا يجدون راحتهم في البيوت كما كان عليه الأمر من قبل، وهي زلة لسان كشفت عن حقيقة هذا التيار الأيديولوجي الذي رغم خروج نسائه إلى الفضاء العام والمؤسسات والنشاط اليومي فإنه ما زال يضمر موقفاً معادياً لكفاءة المرأة وشخصيتها، كما يعبر عن فكرة التيار الأصولي وموقفه من جوهر مسلسل التحديث الذي عرفته البلدان الإسلامية منذ أزيد من قرن، والذي كان من أبرز ملامحه انقلاب جذري في وضعية المرأة في المجتمع والدولة، من الوصاية الذكورية التامة والقوامة، إلى الاستقلال الشخصي والفعل والعمل والمشاركة.

ومعلوم أن المرأة التي استفادت من مسلسل التحديث هي الضحية الأولى لأي نكوص فكري أو سياسي، ما دام خروجها لممارسة كل الأنشطة التي يمارسها الرجال من أبرز خصائص الدولة الحديثة ومكتسباتها؛ إذ يتمّ ذلك في إطار فكرة المساواة بين الجنسين في حقوق المواطنة.

والحقيقة أن هذا الموقف المتشنج، والذي بدأ يتم تسويقه بين الحين والآخر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يعود إلى ما رسخه الفكر الديني الفقهي في الوعي الإسلامي منذ قرون طويلة، حيث كان المنطلق الأول هو إجماع الفقهاء على تفسير الآية 33 من سورة الأحزاب: "وقرن في بيوتكن ولا تَبرَّجنَ تبرُّجَ الجاهلية الأولى"، وهي آية تخصّ أصلاً نساء النبي، إلا أن المفسرين والفقهاء اعتبروها متعلقة بـ"سائر النساء"، يؤكد ذلك ما قاله القرطبي في تفسير الآية "وقرن في بُيوتكن" حيث يؤكد: "معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة".

وقال الألوسي في «روح المعاني» مفسراً: "والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله عنهن بملازمة البيوت، وهو أمر مطلوب من سائر النساء".

وهو نفس ما أكده ابن كثير في تفسيره لنفس الآية: "هذه آداب أمر الله بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك".

كما استعان الفقهاء بأحاديث منها حديث رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي، والذي يقول: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، ومعنى استشرفها أي "أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة". وقال المناوي في شرح معنى أن المرأة "عورة": "أي هي موصوفة بهذه الصفة، ومَن هذه صفته فحقه أن يُستر، والمعنى أنه يُستقبح بروزها وظهورها للرجال". فالسبب الرئيسي إذاً حسب الفقهاء لأمر النساء بلزوم بيوتهن هو كونهن مصدر الغواية والفواحش.

هكذا بالتدريج تمّ إحكام قبضة "الحريم" على المرأة المسلمة، وعزلها عن دينامية المجتمع وحركية الواقع قروناً طويلة.

لكن كيف حلّ الفقه الإسلامي مشكلة لزوم المرأة للبيت إذا كانت لها "حاجات" تقضيها خارج البيت؟

لقد تشدّد الفقهاء في تحديد "الحاجات" المقصودة بخروج المرأة وتفننوا في ضبطها وتقليصها إلى أبعد حدّ، وربطوا خروج المرأة لقضاء تلك الحاجات بـ"شروط".

فأما الحاجات المحتملة لخروج المرأة فهي لا تتعدّى ما يلي: "زيارة قريب أو عيادة مريض أو صلة رحم أو تعزية الأموات من الأقارب أو شراء حاجة من السوق".

وأما شروط الخروج لقضاء تلك الحاجات وقد سماها البعض "ضوابط شرعية" فهي خمسة:

- ألا يكون قضاء تلك الحاجة ممكناً من طرف الزوج أو الأخ أو قريب من الأقرباء "المحارم".

- أن يكون الخروج بإذن زوجها أو وليها ولا يجوز لها الخروج بغير إذنه.

- أن تلتزم بما سماه الفقهاء "الحجاب الشرعي" والذي هو التحاف أنواع القماش الداكن اللون.

- أن تخرج متسترة مختفية وألا تظهر متزينة أو متطيبة، وأن تتجنب كل ما يجعلها بارزة ظاهرة باللباس أو رفع الصوت أو غيره.

- أما الشرط الخامس ألا ينجم عن خروجها اختلاط بالرجال أو إخلال بواجبات ومهام البيت ورعاية الزوج والأبناء.

ورغم أن فقهاء القرن العشرين اجتهدوا مرغمين تحت ضغط من الواقع بالقول إن الإسلام لا يمنع المرأة من التعليم والمشاركة، متجاوزين بذلك "الإجماع" القديم، فإن تلك الضوابط الفقهية التراثية هي التي ما زالت تحرك الوجدان السلفي والإخواني في القرن الواحد والعشرين، وتدعو إلى شنّ تلك الحملات العبثية من أجل الحجر على النساء من جديد، وممارسة الوصاية الذكورية عليهن رغم تغير الأحوال وانقلاب الأوضاع، مما يدلّ على ضرورة العمل سواء من خلال النظام التربوي أو وسائل الإعلام وكل قنوات الدولة والأسرة على تأطير وعي المواطن في سياق منسجم مع التحولات المجتمعية.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

الفكر الديني ومفهوم الطفولة

أ. أحمد عصيد

26-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة