نقد رواية حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج

03-05-2025

لا شك أن الله أنزل ديناً واحداً ولم يُنزل أدياناً متعددة؛ فدين الأنبياء جميعاً هو الإسلام، وقد بدأ بنوح عليه السلام وختم بمحمد عليه الصلاة والسلام، ودعوة الأنبياء واحدة؛ تتمثل في عبادة الله وحده، واجتناب الطغيان بكافة أشكاله السياسية والدينية والاجتماعية.. إلخ، وإقامة القسط والعدل بين الناس، مع اختلاف في التشريعات، والتي كانت تتطور من مرحلة إلى أخرى.

ورسالة الإسلام جاءت لتصحح أخطاء أهل الكتاب، ولتبين لهم أشياء اختلفوا فيها أو أخفوها ونحو ذلك، إلا أن البوصلة القرآنية صارت معكوسة؛ فبدل أن يتم التبيين والتصحيح لأهل الكتاب، صارت كتبهم بما تشمله من أفكار وتشريعات وعقائد وتاريخ وقصص هي المرجع الأول للقرآن.

وقال تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) [النمل: 76].

وكان من أحد أهم الأسباب الرئيسية لتخليد الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية، بما تحويه من قصص مكذوبة وخرافات وأساطير في كتب التفسير والحديث والسيرة والوعظ وغيرها، هي رواية تقول:

(حَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).

فأعطت هذه الرواية مستنداً وتبريراً شرعياً لدخول سيل من الإسرائيليات؛ فكان ما كان من أثر سيئ على مستوى العقائد والتشريعات والمفاهيم والتصورات والسلوك و.. إلخ.

وتتابع القول على جواز التحديث عن بني إسرائيل، مع محاولة اشتراط ضوابط معينة، إلا أن النتائج كانت كارثية؛ حيث صارت الرواية الإسرائيلية بجانب الآية القرآنية ومهيمنة عليها، وخير مَن عبَّر عن هذا الشيخ أحمد محمد شاكر؛ حيث قال: 

(إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذِكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولاً أو رواية في معني الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها، شيء آخر؛ لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا تعرف صدقه ولا كذبه مبيِّن لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه ذلك، وإن رسول الله إذ أذن بالتحدث عنهم، أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفراً) [عمدة التفسير، الشيخ أحمد محمد شاكر، أعده أنور الباز، دار الوفاء، (1/ 15)].

ورغم تنبه المعاصرين للأباطيل والافتراءات والخرافات التي سببتها الإسرائيليات في فهم كتاب الله، ومحاولتهم تنقية الكتب منها، نجد الشيخ الدكتور مساعد الطيار قد انبرى للدفاع عنها، وذلك في دراسة له ملخصها: إن صاحب الشريعة أعرف بالحال الذي يصلح أمته، ولو كان في الإسرائيليات خطر على أمته لما أباح التحديث بما عند بني إسرائيل، وإن الأكثرية من السلف والخلف لا يرون غضاضة في نقل مرويات بني إسرائيل في التفسير، وكتبهم شاهدة بذلك، وإن علماء السلف أعمق هذه الأمة علماً وإيماناً، ولا يمكن أن يكون فهمنا للشريعة ولما يُصلح أحوال الناس الدينية أفضل من فهمهم. [انظر: (تفسير القرآن بالإسرائيليات: دراسة تقويمية)، مجلة معهد الإمام الشاطبي، العدد الرابع عشر، 1433هـ].

ولكن ما يُثير العجب والسرور بذات الوقت، أن يتجرأ محدث معاصر ويحكم على بضع روايات أنها من الإسرائيليات وليست من كلام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، رغم اتفاق البخاري ومسلم على روايتها، مثل رواية: (قالت بنو إسرائيل إن موسى آدر) ورواية: (فلطم موسى عين ملك الموت).

[منهج نقد المتن، د.صلاح الدين الأدلبي، ص377].

 ونحن نرى بطلان رواية (حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) لأسباب عديدة؛ منها: 

1- أنها حسب قواعد المحدثين ساقطة؛ لأنها دون سند عن الثقات العدول.

2- الإسرائيليات التي نُسبت إلى مَن أطلقوا عليهم اسم السلف الصالح في كثير منها دون أسانيد متصلة، فتكون الروايات منقطعة. 

فهي منقطعة السند من جهتين؛ الأولى عند أصحابها، والثانية مَن نُسبت لهم من السلف.

3- جاءت روايات أخرى عديدة تَنهى عن سؤالهم أو تصديقهم أو تكذيبهم.

4- وقبل كل هذا ما ذكره القرآن من بيان أن فئة من أهل الكتاب كانت تُحرف الكلم عن مواضعه، وتحرفه من بعد مواضعه؛ أي التحريف اللفظي والتحريف المعنوي. وفي الحوار الإسلامي المسيحي يركز المسلم في حواره على مسألة التحريف زيادةً ونقصاً وتبديلاً في كتب أهل الكتاب ليبين تناقضها، ثم هو يتناقض ويرى أن لا حرج في التحديث بها!

قال تعالى: (اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا مِن دونه أولياء قليلاً ما تذَكَّرون). 

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

الاختلاف في الوحي ليس من الله

غسان النبهان

19-09-2024

آراء الكتاب

الأخلاق والقيم العليا.. منظومة اجتماعية وميثاق إنساني عالمي

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

التعددية وضوابطها في القرآن

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

الفِرقة الناجية مَن تعمل صالحاً

غسان النبهان

14-09-2024

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة