مر الإفتاء كما هو معلوم تاريخياً بعدة مراحل من الإفتاء المرسل الأقرب إلى العفوية في عصر الإسلام الأول، إلى الإفتاء المؤسسي في خضم التحولات السياسية والاجتماعية والحضارية التي عرفها تاريخ الإسلام. وأصبحت الفتيا بمقتضى ذلك خطة رسمية من الخطط الدينية مثلها مثل الصلاة والقضاء والجهاد والحسبة، مندرجة تحت الخلافة مثلما نص على ذلك ابن خلدون في مقدمته. وقد استقر في أبسط تعريفاته أن الإفتاء هو بيان حكم المسألة، وارتبط فقه النوازل على خلاف الفقه النظري بحياة الناس وبمشاغلهم اليومية الفعلية، فقد عرف الزركشي (ت 794هـ) المفتي بأنه "مَن كان عالماً بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل". وقد قننت المنظومة الأصولية مكانة الإفتاء والاستفتاء من خلال التمييز بين المفتي العالم بالشريعة والمكلف بالتعريف بها وبتبليغ أحكامها، والمستفتي وهو المسلم العادي المكلف بالعمل بأحكام الشريعة، دون أن يكون مدعواً إلى معرفتها. وفي عصر متأخر بات يُنظر إلى الفتوى باعتبارها توقيعاً عن الله، فالمفتي كما جاء في كتاب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي (ت 676هـ) "موقّع عن الله تعالى"، وهو المعنى ذاته الذي أكد عليه ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، ويدور هذا المعنى على اعتبار المفتي وسيطاً بين الله وخلقه نائباً له في الإفتاء لهم، وحاجة الناس إليه "أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب" على حد عبارة ابن القيم.
ويستمد الإفتاء والمفتون في عصرنا الراهن ما لهم من مكانة ودور من استمرار هذه الرؤية الأصولية الفقهية وبنائها النظري وتقسيمها الناس إلى ذينك الصنفين. وقد كان للعمل بهذه الرؤية ومقتضياتها ما يسوغه في المجتمعات القديمة التقليدية من جهة ما كانت تتسم به من انحسار التعليم وعدم قدرة فئات كثيرة على الولوج إليه واكتساب المعارف الدينية التي تسمح لها بأن تتحول إلى فئة عالمة، ما يخول لها الاعتماد على نفسها والاستغناء عن السؤال واستفتاء غيرها. أما اليوم وفي ظل انتشار التعليم وشموليته وتعدد طرق النفاذ إلى المعرفة بمختلف فروعها من ناحية، والتطور الذي شهده مفهوم الدين وموقعه من حياة البشر من ناحية ثانية، فإن الأسئلة تُطرح على أكثر من صعيد حول وجاهة استمرار الحاجة إلى الإفتاء على وجه العموم، وإلى جواب المفتي في قضايا تحتاج إلى تخصص علمي دقيق على غرار المسائل الطبية والتقنية والاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية والديبلوماسية والتعليمية والثقافية، ونحو ذلك.. فهل يُعقل أن يلجأ إلى المفتي اليوم من بلغ أشواطاً كبيرة في علم من العلوم الحديثة ليستفتيه في شؤون علمه أو في شؤون حياته لأنه استبطن القاعدة الموروثة التي تنص على أن لعالم الدين أن يتدخل في كل ما يخص المسلم وهو الوسيط بينه وبين خالقه، وأن العلم "الديني" يستوعب كل العلوم ويفوقها مرتبةً وشرفاً؟ وحتى إذا تعلق الأمر بما له صلة وثيقة بالدين على غرار العقيدة والعبادة والشعائر، أفلا يمكن للمسلم المعاصر أن يستفتي قلبه فيها عملاً بالحديث النبوي "استفتِ قلبك (..) وإن أفتاك الناس وأفتوك"، وكيف لا وهو الذي تعلم ودرس ونما عقله بما اكتسب من معارف، وأصبح مؤهلاً لأن يبحث عن الأجوبة لأسئلته بنفسه ويستغني عن غيره؟!
وفي الواقع يشكل الخطاب الإفتائي أحد أبرز الخطابات الدينية في الإسلام المعاصر من حيث رواجه، ومن حيث أهميته وانشداد المسلمين إليه فرادى وجماعات، ومن عوامهم ونخبهم. وقد تعددت هيئات الإفتاء وتنوعت؛ إذ لم يعد الأمر حكراً على المؤسسة الرسمية وهي في معظم الأحوال تقوم على ترشيد الفتوى وضبطها بقواعد محددة تميل إلى الوسطية والاعتدال والمرونة، فقد تحرر مجال الإفتاء وأصبح المشتغلون به يتوزعون بين أفراد وهيئات رسمية وغير رسمية، وبخاصة الجماعات الإسلاموية المتطرفة، لا سيما مع اكتساح الخطاب الإفتائي القنوات التلفزية والإذاعية والمواقع الإلكترونية، مستفيداً مما تتيحه الثورة المعلوماتية من تطورات ورواج ما يُعرف بالفتوى الإلكترونية. وبات التواصل بين المفتي -معلوماً كان أو مجهولاً، حقيقياً كان أو افتراضياً- والمستفتي يتم من وراء الحواسيب والهواتف الذكية. وقاد هذا التحرر إلى ما يشبه السوق القائمة على الطلب والعرض والإنتاج والاستهلاك، وهو ما أدى إلى ما يمكن تسميته بفوضى الإفتاء وتشظي الفتوى. ويتأرجح هذا الخطاب الإفتائي المعاصر في استجابته لمشاغل المستفتين بين إنشاء الجديد من الفتاوى مراعاةً للمقام والسياق وتبدل الأحوال ومواكبةً لتطورات العصر، والتمسك بالقديم اتباعاً لنهج الأسلاف وما أنتجوه من منظومة أصولية، وتشبثاً برؤية ترى أن الجديد ليس سوى إحياء للقديم وأنه لا يجوز مخالفة القواعد الإسلامية الموروثة.
ويطرح هذا التوتر والتنازع بين الجديد والقديم في نظام الفتوى إشكالية التجديد من حيث مفهومه وآلياته وحدوده وآفاقه، ونستحضر في هذا المقام دعوة الشاعر والفيلسوف الهندي محمد إقبال إلى أن تكون المهمة الملقاة على عاتق المسلم العصري أن يفكر تفكيراً جديداً في نظام الإسلام كله دون أن يقطع ما بينه وما بين الماضي قطعاً تاماً، وأن يقدر تعاليم الإسلام في ضوء المعرفة العصرية ولو أدى به ذلك إلى مخالفة المتقدمين. وتقوم هذه المراجعة على التمييز بين الإسلام باعتباره جوهراً روحياً خالداً مثله مثل سائر الديانات الأصلية، لأنه قادر على الإجابة عن أسئلة الإنسان الوجودية، والإسلام من حيث هو عادات وشعور، وهذا الإسلام خاضع للتاريخانية؛ أي لإعادة النظر بنظام السلوك المتعلق به، ولشك الحداثة الذي لا يزال منذ قرون يقضم الصروح الميتافيزيقية القديمة من هذا العالم على حد رأي داريوش شايغان. فهذه المراجعة ضرورية لتخليص الدين من حالة الوصاية ونظام الفتوى كما ذهب إلى ذلك عبد العزيز بومسهولي، وهي حالة تعبر عن تكبيل إرادة الإنسان وأسره وتسييج إرادته وفكره وفعله داخل حدود رؤية رجل الدين الفقيه المفتي المحتكر لصلاحية تفسير الدين وتبليغ أوامره ونواهيه، وهي رؤية تشده إلى الماضي وتفصله عن زخم الحياة وتعيقه عن استشراف المستقبل.
فهل ما زال المسلم اليوم يحتاج في ضوء تطور المعارف والعلوم إلى الفتوى باعتبارها خطاباً يجيب عن أسئلته الوجودية في رحلته للبحث عن المعنى وعما يطرحه واقعه المعقد عليه من تحديات في كافة المستويات؟ وألم يحن الوقت حتى يتأهل المسلم المعاصر باعتباره ذاتاً حرة ومسؤولة للتخلص من نظام الفتوى باعتباره نظام وصاية على الضمير والفكر والسلوك؟