في مشروعه الحداثي ينطلق المفكر الهندي أصغر علي إنجنير (1939-2013م)، من توضيح وجود هوة عميقة واختلاف شاسع بين الإسلام، بوصفه ديناً وجوهراً والقرآن ومفاهيمه العالمية الكونية، وبين الفهم البشري له ومحاولة تطبيقه، التي أدت إلى ظهور الشريعة التي كانت متوافقة مع زمانها ومع ما هو منتشر مجتمعياً، فأخرج رجال الدين والفقهاء أحكاماً شرعية، تتنافى مع الجوهر الإسلامي والمفاهيم والمبادئ العالمية القرآنية.
المفكر الهندي أصغر علي "إنجنير"، الحائز على جائزة نوبل للسلام، حذر من خطورة الأصولية على مشروع الحداثة وعلى المجتمعات الإسلامية، موضحاً تسببها في نشر الكراهية والعنف، وصعود الخلافات الطائفية والمذهبية، ما تسبب في إجهاض المشروعات الحداثية وألقى ظلالاً سلبية على العالم الإسلامي ومجتمعاته، وأدخلها في صراعات، يمكن تجنبها بتفعيل العلمانية وتأكيد مبدأ المواطنة، وتفعيل المبادئ القرآنية مثل المساواة.
"إنجنير" الذي شغل منصب رئيس المعهد الهندي للدراسات الإسلامية، إلى جوار رئاسته لمركز دراسات المجتمع والعلمانية في الهند، تناول في مشروعه الحضاري المفاهيم الفقهية والتراثية التي لم تعُد صالحة للعالم الإسلامي حالياً، مثل مفاهيم دار الإسلام ودار الحرب، ويرفض المحاولات السلفية في إحياء الماضي السلفي، وإسباغه على العالم الإسلامي لتطبيقه.
وعبر عن المفاهيم السابقة ومشروعه الحداثي في مؤلفاته الثمانية والعشرين، التي صدرت باللغتين الهندية والإنجليزية، وتُرجم بعضها إلى لغات مختلفة؛ ومن أهمها: "أصل الإسلام وتطوره"، و"الدولة الإسلامية"، و"الإسلام وأهميته لعصرنا"، و"حول تطور نظرية الفتن"، و"التصوف والوئام المجتمعي"، و"الإسلام والمسلمون"، و"مكانة المرأة في الإسلام"، و"حقوق المرأة في الإسلام"، و"إعادة النظر في القضايا الإسلامية"، "والإسلام في العالم المعاصر".. وغيرها.
إشكاليات ثقافية
من منطلق عقلي نقدي، ينظر "إنجنير" إلى الإشكاليات المتعلقة بعدم إمكانية تحقيق الحداثة في العالم الإسلامي، وإمكانية المواءمة بين الإسلام من جانب وبين الحداثة الحضارية من جانب آخر، الأمر الذي دفعه إلى الاهتمام بقضية النص الديني وأهمية التفكير فيه، سواء النص الديني المقدس أو النص الديني البشري الشارح للنصوص المقدسة.
ويتضمن النظر العقلي عند "إنجنير" تحليل الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي وتجلياته، وربطه بالفكر والثقافة السائدة في المجتمعات الإسلامية، مع توضيح طبيعة العلاقات الحضارية والثقافية مع الآخر المتمثل في الحضارة الغربية، وكيفية التعاطي معها.
ويُحذر "إنجنير" من خطورة الأصوليات الدينية المنتشرة في المجتمعات العربية، التي أدت إلى ظهور الحركات الأصولية في الدول الإسلامية، الأمر الذي تسبب في انتشار خطاب العنف والكراهية في العالم الإسلامي، إضافة إلى صعود الصراعات الطائفية التي ظهرت في بعض الدول الإسلامية، ما تسبب في استحالة التجديد وتطبيق الحداثة، إضافة للخسائر الاجتماعية التي ألحقها الخطاب الأصولي بالمجتمعات الإسلامية، حسب قوله.
والأديان بشكل عام والإسلام بوجه خاص، حسب "إنجنير"، يعاني من "هوة عميقة" بين الإسلام كدين وجوهر، وبين الممارسات الإنسانية للدين التي ابتعدت عن حقيقته وجوهره، التي بلورها الفقه الإسلامي خلال القرون الهجرية الأولى، لتغليب ممارسات يومية بعيدة عن الروح الإسلامية، والتأكيد على الجانب المادي وتجاهل الجانب الروحي للإسلام.
حرية العقيدة
الجانب الروحي للإسلام، عند "إنجنير"، له أهمية كبيرة، ويدعو إلى فهمه بشكل جديد تكون الأولوية فيه لجوهره السامي، الذي لا يتعارض مع الحداثة والتجديد وأهمية التغيير والمعرفة النقدية الحديثة، ما يستلزم ضرورة وجود تعريف جديد للدين يمكنه من تخطي أزمة الحداثة، لإعادة بناء المجتمعات الإسلامية على مفاهيم الإسلام الحقيقية وقيمه الخالدة المتضمنة في القرآن الكريم، والمعارف العلمية الحديثة والعقل النقدي.
يؤكد "إنجنير" أنه لا يوجد تعارض بين القرآن الكريم وبين القيم الكونية العالمية، الأمر الذي يجعل الإسلام مؤهلاً بطبيعته للحداثة ولا يتعارض معها، الأمر الذي تؤكده التوجيهات القرآنية الصريحة بإعمال العقل والتدبر والفكر والحرية بمستوياتها، الأمر الذي يتماشى مع التطور المجتمعي والتغيرات الزمانية وما يتبعها من تغيُّرات اجتماعية وحضارية، وفقاً لقوله.
والقرآن الكريم نص ديني مقدس، وفق "إنجنير"، صالح للمجتمع الذي نزل فيه وصلاحيته تتجاوز مجتمع نزوله إلى كل المجتمعات والأزمنة دون استثناء، لا سيما رسالته الروحية وقيمه العالمية.
وفي المقابل، فإن الشريعة تمثل الفهم البشري للنص المقدس تاريخياً، وفق ما تقتضيه الحاجة للتأويل والاجتهادات البشرية، ما يوضح التباين بين الفهم السلفي للشريعة وبين القرآن، ويفسر عدم صلاحية الفترة السلفية التي تأسست فيها الشريعة الإسلامية، في بداية الإسلام والقرون الثلاثة الأولى التي عاش فيها السلف، وبين المجتمع الحالي وتجلياتها التاريخية، وبين المرحلة الحالية التي تختلف تجلياتها التاريخية واحتياجاتها الاجتماعية، حيث نشأت قيم حديثة واحتياجات راهنة بالعالم الحديث.
يقول "إنجنير" إن الإسلام لا يتعارض مع الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، بينما الأحكام السالبة للحرية الدينية في الفقه الإسلامي، مثل حد الردة، لم تُستمد من القرآن الذي يخلو من آية واحدة تعطي المشروعية لهذا الحد أو تنادي به؛، فالحرية الدينية وحرية العقيدة مبدأ عالمي قرآني نادى به القرآن في أكثر من آية، كما في قوله عزَّ وجل: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ...﴾ [الكهف: 29].
حرية المعتقد والدين التي رسخها القرآن، تتضمن حرية الإنسان في اختيار دينه، وتتجاوز حرية اعتناق الإسلام إلى حرية الخروج منه، والأحكام الفقهية التي تحد من حرية المعتقد والدين، مثل حد الردة الذي لا علاقة له بالقرآن ولا جوهر الإسلام، وإقرار الفقهاء لحد الردة كان لحاجة اجتماعية وتاريخية؛ إذ كان يُعد الخروج من الإسلام بمثابة الخروج عن الدولة وعصيانها ويُهدد استقرارها، فأقر الفقهاء حد الردة وصبغوه بصبغة دينية، حسب قوله.
صناعة الشريعة
يوضح "إنجنير" أن مصطلحات مثل "دار الإسلام" و"دار الحرب" التي اشتقها الفقهاء قديماً، لم تعُد صالحة في العصر الحديث؛ إذ "فقدت معقوليتها"، لا سيما وأن الناس يعيشون في العصر الحديث في ظل دول ديمقراطية علمانية تضمن لهم حقوقاً متساوية، من ضمنها حرية الاعتقاد، حسب قوله.
ويرى "إنجنير" أن تجاوز مصطلحات دار الإسلام ودار الحرب، وما يتبعها من أحكام، إضافة للأحكام الفقهية السالبة للحرية الدينية، أصبح أمراً ضرورياً، بسبب المتغيرات الاجتماعية والتاريخية؛ مثل سقوط مفهومي "دار الإسلام" و"دار الحرب" وعدم صلاحيتهما، إضافة لمخالفة هذه الأحكام للقرآن وجوهر الإسلام، الأمر الذي يجعل من الممكن تأسيس مجتمع حداثي مبني على الحرية في مختلف جوانبها وحق المواطنة.
والشريعة صناعة فقهية، وفقاً لـ"إنجنير"، صاغ أحكامها الفقهاء ورجال الدين، فاختلفوا فيها، الأمر الذي تسبب في اختلاف المذاهب الفقهية والعقائدية، وينفي هذ الاختلاف ما يدعيه الفقهاء من أنهم بنوا أحكامهم الشرعية على الإجماع والقياس الذي ينفيه التباين الواضح في المذاهب الفقهية والعقائدية، كما أن اعتمادهم على الحديث يقف حائلاً ضد التسليم بأحكامهم، لأسباب تأخر تدوين الحديث عن العهد النبوي، بما يشوب الحديث من علل ومطاعن، حسب قوله.
ويذهب "إنجنير" إلى أن أحكام الشريعة جاءت متأثرة بزمانها وبالظروف الاجتماعية السائدة في ذلك الزمن، مثل الأحكام الخاصة بالمرأة والرقيق، وظهرت في سياق زمني مغاير للسياق الزمني الحديث بتطوراته، ما يستلزم إعادة نظر في هذه الأحكام، الأمر الذي يقابله رجال دين بالرفض والهجوم ويتهمون أي دعوة لتجديد الأحكام الفقهية بأنها تتعارض مع الأحكام الدينية المنبثقة من الإرادة الإلهية.
أحكام المرأة
يؤكد "إنجنير" أن الأحكام الفقهية الخاصة بالمرأة عكست الحالة الاجتماعية السائدة قبل الإسلام وفي بدايته، من حيث طبيعة المجتمع الذكورية وتبعية المرأة للرجل، ما عبرت عنه الأحكام الفقهية، وأضفت عليه مشروعية دينية عبر تأويل الآيات القرآنية بما يتوافق مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر، ما أدى إلى تجاهل الفقهاء في ذلك العهد كل الآيات القرآنية التي تؤكد المساواة بين الرجل والمرأة، أو قفزوا عليها بالتأويل، بما يتناسب مع ما هو سائد آنذاك وقبله، حسب "إنجنير".
ويوضح أن بعض التشريعات التي أقرها القرآن كانت أحكاماً وقتية مرتبطة بعصرها، مثل القوامة وإباحة تعدد الزوجات، لتناسب ذلك مع القيم المجتمعية السائدة وقتها، فكانت أحكام هذه الآيات مقيدة بذلك الزمان، ومنسجمة مع العقلية العربية السائدة، ومع وجود حاجة اجتماعية بسبب ارتفاع أعداد النساء الأرامل واليتامى بسبب كثرة الغزوات، فحددت ما كان غير محدد عند العرب مثل الإكثار من النساء؛ ورغم وقتية الأحكام المرتبطة بالآيات السابقة، فإن القرآن يحمل الكثير من الآيات المطلقة التي أكدت مفاهيم مثل المساواة والحرية والتكليف للرجل والمرأة، حسب قول "إنجنير".
وختاماً، يدعو "إنجنير" إلى إعادة تأويل القرآن بشكل جديد يسمح بفهمه واستخلاص أحكام جديدة تتناسب مع العصر الحديث، ويرى في ذلك، مع تلافي العيوب التراثية والعوائق التي وضعها رجال دين وفقهاء، في التراث وفي العصر الحديث، منطلقاً لإعادة بناء العالم الإسلامي وفق مفاهيم حداثية يتفق معها القرآن وقيمه الكونية، ويشترط لهذا التأويل أن يهتم بالجانب الروحي للقرآن والمعاني السامية.
ويشدد "إنجنير" على ضرورة طرح الفهم البشري للقرآن وتجلياته التاريخية، وتفتيت الصناعة الفقهية للأحكام الشرعية، إلى البدء في فهم القرآن من منطلق الدعوة القرآنية إلى التدبر والعقل والحرية، مع الوضع في الاعتبار التطورات التاريخية والحاجات الاجتماعية والمعرفة العلمية المتزايدة والتغيرات العالمية، الأمر الذي يساهم، إلى جوار العمل بالعلوم الحديثة والمناهج العلمية، في بناء مجتمع إسلامي قادر على تحقيق الحداثة.