من النافل القول إنّ كل أيديولوجيا سعت، في مسارها التاريخي، إلى إنتاج رؤية شمولية للعالم تفسّر تعقيد الواقع ضمن نسق متماسك، يُضفي عليه طابعاً من المنطق الوهمي لتحقيق القبول الجمعي. فتعمد، خاصة "الأيديولوجيا الدينية"، إلى إحاطة نفسها بهالة من القداسة، تُكسبها طابعاً مطلقاً يتجاوز النقد أو المراجعة، لتغدو السلطة الدينية ذات وظيفة كهنوتية، تتحكم في تفاصيل الحياة الخاصة والعامة على السواء.
والفرد الخاضع للأيديولوجيا الدينية لا يُعرّف بذاته، ولكن بصفته جزءاً من الكلّ الجمعي، سواء تجسّد في "الشعب" أو "الأمة". وهكذا، تُستبدل الذات الحرة بالجماعة المقدّسة التي تتماهى مع فكرة المطلق، وتُعسكر البنية الاجتماعية لضمان السيطرة الشاملة على الوعي والسلوك، في محاكاة للإمبراطوريات الدينية القديمة.
الاستلاب والعبودية
هنا، تتشكل حالة من "الاستلاب العقلي" و"العبودية الرمزية"، حيث يُختزل الإنسان إلى كائن مطيع، فاقد للنية والقدرة على الفعل، بعد أن أُعيد تشكيل وعيه ليُصبح الخضوع طبيعته الثابتة. فالأيديولوجيا الشمولية، إذ تُنكر الفرد وتُقصي حريته، تدفع العقل الإنساني إلى التنازل الطوعي عن استقلاله، مكتفياً بتلقّي الأوامر وتبريرها ضمن ما تسمح به منظومة السلطة. ويتحوّل اليقين، من ثم، إلى بديل دنيوي عن الإيمان، يفرض على الإنسان أن يعيش ضمن دائرة مغلقة من الطاعة لا يجرؤ على كسرها، لأنّ الخروج عنها يُعد تجديفاً يستوجب العقاب.
بهذا المعنى، تُعيد الأيديولوجيا إنتاج ذاتها داخل الوعي الجمعي، فتغدو فاعلة في "لا-وعي" الأفراد، لتكرس آلية الطاعة، وتتجلى المفارقة في المأثور المنسوب إلى أبي عبد الله الشيعي حين واجهه أتباعه بالموت تنفيذاً لأمر من أمرهم بوجوب طاعته (الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي)، فاستسلم للقدر المفروض باسم الإيمان بالطاعة (ابن خلدون، 1867).
تلك اللحظة الرمزية، يتم من خلالها تكريس نموذج الإنسان المجبر على الامتثال؛ وهكذا يُعاد إنتاج الاستبداد في صورة نظام قيمي متوارث، يجد في المؤسسة الدينية أداة تبرير لاهوتية، تضمن للسلطة شرعية مطلقة، في تواطؤٍ يعيد تدويرها بوصفها قدَراً مقدّساً لا يُمَسّ.
النزعة التسلطية
لقد عاد في ظل الحكم الأموي ما يمكن وصفه ببعثٍ جديدٍ للعصبية القبلية، بكل ما تنطوي عليه من "نزعة تسلطية" وميل إلى احتكار السلطة والثروة. فقد مارس الأمويون على رعاياهم نمطاً من الاستبداد لم تعرفه البنية القبلية العربية قبل الإسلام؛ إذ تحوّل التسلط من ممارسة جزئية إلى منظومة شاملة تحكم الاجتماع والسياسة والأخلاق في آن.
ولم يكتفِ معاوية بن أبي سفيان بإرساء هذا النمط، بل نظّر له صراحة حين قال: "قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم" (النمري، 2009)؛ معلناً أن الغاية من الصراع ليست الدفاع عن مبدأ، وإنما تأسيس هيمنة مطلقة؛ بل وكرّس لتصورٍ قدَري ناجز ونهائي للسلطة، بقوله: "نحن الزمان، فمن رفعناه ارتفع، ومن وضعناه وُضع" (السمان، 2018)، في تأليهٍ ضمني للسلطان وتماهيه مع مسار التاريخ ذاته.
لقد خلقت الدولة الأموية مشروعاً أيديولوجياً شمولياً بامتياز؛ حيث أعادت صياغة العلاقات الاجتماعية على أسس من الطاعة المطلقة والتراتبية المفروضة، وجعلت من الولاء السياسي سلعة تُشترى بالمال، ومن الزعامة القبلية أداةً لضبط الجماهير وترويضها. وهكذا، تحوّل الحجاز، الذي كان مهد الثورة الروحية والضمير الإسلامي، إلى مركزٍ للترف واللهو عبر سياسة ممنهجة هدفت إلى تفريغ الوعي الجمعي من محتواه الأخلاقي، وتحويل المجتمع إلى كيان استهلاكي لاهٍ منزوع الإرادة.
ولكي يكتمل البناء السلطوي، جرى تأسيس جهاز رقابة اجتماعية صارم، فقد انتشرت العيون والجواسيس، حتى غدت المراقبة فعلاً يومياً يطارد الأفراد في سلوكهم وحديثهم وأفكارهم؛ بل وفي أحلامهم، لتأمين انصياعٍ تام لمنظومة الحكم وترسيخ سلطان الأيديولوجيا بوصفها المرجعية الوحيدة للوجود السياسي والاجتماعي.
الأيديولوجيا الدينية
والأيديولوجيا، في جوهرها، ليست معنية بالحقيقة أو المعرفة، بقدر ما تسعى إلى السيطرة والتوجيه؛ فهي توظف أي وسيلة أو رمز لتعبئة الجماهير وحشدها نحو أهدافها، مع تكييف خطابها حسب المتلقي، فالأتباع يُخاطبون بما يثير ولاءهم، فيما يُوجه خطاب مختلف للمعارضين أو المنافسين، لكن الهدف النهائي دائماً واحد: الإخضاع والتطويع.
وغالباً ما تتخذ "الأيديولوجيا الدينية" من الرموز، الدينية، أداة لتبرير تصوراتها النظرية، فتجمع بين الغاية والوسيلة في خطاب يجمع بين المنطق الظاهري والشحن الوجداني، ويُوظف فيه مزيج من الحقيقة والأكاذيب، في إطار ابتزاز عاطفي مستمر يسعى لتعبئة النفوس وتحريكها عملياً نحو تنفيذ الأهداف. وتتضح هذه الدينامية في أمثلة تاريخية، مثل رفع قميص عثمان في الشام على أسنة الرماح، أو أحداث فاجعة كربلاء؛ حيث تتحول الرموز إلى شعارات تعبئة تُنذر بالثورة وتسييل الدماء، تعبيراً عن الانصهار بين الإيمان العاطفي والتفاني العملي.
وبما أن الأيديولوجيا تمثل الفكر في خدمة السلطة، فإنّ الانخراط فيها لا يقتصر على الاقتناع النظري، ولكن يمتد إلى الممارسة العملية؛ إذ تحدد للمنخرط أهدافاً تستوجب التضحية نصرة لها، بما يرسخ البعد العاطفي الذي يعد جوهر كل أيديولوجيا، ويُقدّم وعوداً بالتحقق النهائي للعدالة الإلهية، أو "جنة الله على الأرض". في هذا السياق، تُكرس الأيديولوجيا ثقافة الانصياع والطاعة، كما يظهر في خطاب عبد الحميد الكاتب خلال أواخر الدولة الأموية، الذي استخدم البلاغة لتأكيد الولاء، وجذب الأنصار، والرد على الخصوم، معتمداً على الرموز الدينية والاجتماعية لإضفاء الشرعية على السلطة (زنكري، 2007).
أيضاً، كان البعد العاطفي حاضراً في المناسبات العامة، حيث يتجسد دور الحاكم في أداء الشعائر الدينية والاجتماعية، من البيعة وارتداء بردة النبي، إلى أداء الحج والصلاة مع الجماهير، مع تأكيد الألقاب الرمزية، مثل: المهدي والمتوكل والمعتصم، لتعزيز الشرعية الدينية، وتأكيد الهوية الدينية والثقافية للمجتمع. هذا "التداخل بين الرمزية الدينية والخطاب السياسي" يعكس كيفية استثمار الأيديولوجيا للعواطف في تثبيت السلطة وتحريك الجماهير نحو أهدافها العملية.
الأيديولوجيا والمجتمع
على المستوى المجتمعي، تقدم الأيديولوجيا نفسها كنسق رمزي يسعى لتجسيد وسيط، بين الذات العليا المقدسة والفرد التابع، مستثمرة المعطيات الدينية والنفسية لتقديم رؤية اجتماعية ودينية قادرة على استيعاب الحقائق الاجتماعية، وإعادة صياغتها بما يتوافق مع الأهداف المرجوة. في هذا السياق، يتحول "القائد/رجل الدين" إلى رمز يُسند إليه تحقيق تفوق الأيديولوجيا وحماية سيطرتها، محاطاً بهالة من القداسة والسمو، حتى قد يُنسب إليه الصفات الإلهية، فيصبح مصدر التوجيه والمثال الأعلى، ويتحمل أعباء حماية الدين والدنيا، ما يفرض على الرعية طاعة عمياء وامتناناً دائماً واستعداداً للتضحية من أجل الأفكار التي يجسدها.
وختاماً، فإن هذا التمثّل الرمزي، الذي تتيحه الأيديولوجيا الدينية، يعكس تصوراً للسلطة المطلقة، إذ يُعترف بأحقية القادة في التحكم بحياة الأفراد وفكرهم وقراراتهم، كما يوضح قول عبد الله بن عمر: "إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر" (ابن عبد ربه، 2020)، في تجسيد عملي للمبدأ الذي يشرعن طاعة السلطة مهما كان حالها.
الهوامش
- عبد الرحمن بن خلدون (1867)؛ تاريخ ابن خلدون، المطبعة المصرية، القاهرة، ص37.
- ابن أبي الحديد المدائني (2009)؛ شرح نهج البلاغة مع الفهارس، ج16، دار الكتب العلمية، بيروت، ص9.
- محمد الطاهر بن عاشور (2008)؛ شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح، دار الجنوب للنشر، تونس، ص157.
- حمادي زنكري (2007)؛ عبد الحميد الكاتب.. آثاره وحياته، دار سحر للنشر، كربلاء، ص158.
- أحمد بن عبد ربه (2020)؛ العقد الفريد، دار القلم، بيروت، ص62.