يتجاوز المفكر اللبناني ناصيف نصار (1940م)، التعريف التقليدي للأيديولوجيا على أنها مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي تشكل رؤيتنا للعالم، ليوضح في كتابه "الأيديولوجيا على المحك: فصول جديدة في تحليل الأيديولوجية ونقدها"، أنها بنية فكرية واجتماعية لها معانٍ خفية مشوهة بسبب الأغراض والمصالح؛ ويسعى إلى استشكاف مفهوم الأيديولوجيا كظاهرة فكرية واجتماعية، ويرصد آليات تشكلها ونقدها وما تسببه من "تكبيل فكري" لا سبيل للتحرر منه، إلا عبر النقد الأيديولوجي كأداة للتحرر الفكري تعتمد على الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة وأدواتها، ليفرق بين الفكر الأيديولوجي وما يؤدي إليه من مثالب، والفكر العقلاني المتحرر من الأيديولوجيا.
تصورات ذهنية
يُعرف نصار الأيديولوجيا بأنها: "بنية فكرية اجتماعية تحمل معاني خفية"، ويرى أنها غالباً ما تكون مشوهة بفعل المصالح الطبقية أو الثقافية؛ فالأيديولوجيا تتجاوز كونها مجرد أفكار مجردة لتصبح "تصورات" تؤثر على السلوك الاجتماعي والسياسي، ويوضح أن الأيديولوجيا تحولت إلى أداة سيطرة. ويشدد على أهمية استخدام النقد الأيديولوجي لنقد الأيديولوجيات، وكشف التحيزات والتناقضات الداخلية للتصورات الأيديولوجية، خصوصاً وأن الأيديولوجيا غير محايدة ترتبط بسلطة ما سواء كانت فكرية أو اجتماعية أو ثقافية؛ لذلك فإن نقد الأيديولوجيا ودراستها أمر هام وضرروي، لفهم الصراعات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي تتسبب فيها الأيديولوجيا.
يتناول الكاتب "التصورات الأيديولوجية"، التي يعرفها بأنها "مضمون ذهني مرتبط بلفظة معينة داخل الخطاب الأيديولوجي"، فالتصورات الأيديولوجية تمثلات لغوية تعبر عن رغبات جماعية، وهي "أفكار منظمة تعكس مصالح اجتماعية وتحمل معاني دلالية خفية"، ويشدد على أهمية دراسة الخطاب الأيديولوجي كمدخل لفهم البنية الاجتماعية.
ويسعى إلى تحليل المعنى الأيديولوجي، ويقرر منهجاً تحليلياً يعتمد على عمليات أربعة:
- تحليل نسق المقومات: وهو أول خطوة منهجية لتحليل النسق الذي يمثل التركيبة الداخلية للأفكار، والمقومات التي تمثل العناصر الأساسية التي تؤسس هذه النسق، مثل القيم والمعتقدات والرموز، وتفكيكها يؤدي لفهم كيف تتفاعل هذه القيم لخلق معنى أيديولوجي.
- تحليل نسق العلاقات: فالعلاقات روابط ديناميكية بين المقومات الأيديولوجية والسياقات الاجتماعية التي تؤثر عليها وتتأثر بها، ويهدف هذا التحليل إلى فهم كيف تتفاعل هذه العلاقات لخلق نظام أيديولوجي متماسك.
- تحليل نسق العوامل: يسعى إلى فهم العوامل التي تمثل الظروف الخارجية التي تؤثر على تطور التصورات الأيديولوجية، ويهدف هذا التحليل المنهجي إلى دراسة كيفية تشكل عوامل النسق الأيديولوجي.
- تحليل نسق الوظائف: إذ يعرف الوظائف بأنها أدوار يمارسها النسق الأيديولوجي في المجتمع، ويهدف بهذا التحليل إلى فهم كيف تؤدي هذه الوظائف إلى استقرار أو تفكك النسق.
يقول نصار إن التحليل الدلالي للمعاني والسياقات الداخلية والخارجية والنقد الداخلي، يؤدي إلى كشف تناقضات الأيديولوجية وزعزعة سيطرتها الفكرية والثقافية والاجتماعية.
ما بعد الأيديولوجيا
يرفض الكاتب، ما تروج له بعض الأوساط الفكرية الغربية والعربية عن فكرة "نهاية الأيديولوجيات"، ويصف الفكرة ذاتها بأنها "فكرة أيديولوجية" تهدف إلى خدمة الأيديولوجيات المسيطرة، فنهاية بعض الأيديولوجيات العالمية الكبرى، مثل الأيديولوجية الاشتراكية، لا يعني نهاية الأيديولوجية ككل أو بشكل عام، بل ما يحدث هو تحول في أشكال الأيديولوجية ووظائفها، ويضرب مثلاً بالاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية التي سقطت فيها الأيديولوجية الاشتراكية؛ إلا أن أيديولوجيات بديلة جديدة ظهرت فيها، هي الأيديولوجيات الدينية والقومية والعرقية؛ وينتقل إلى الأيديولوجية العربية، التي تعتمد على القومية العربية، ويرى أنها أيديولوجية رغم تراجعها فإنها ما زالت حية وقابلة للتجديد والتحول والتطور.
يقول نصار، إن مصطلح "عصر ما بعد الأيديولوجيا" الذي يعني انتهاء الأيديولوجيات بسبب سيادة وتقدم العلم والتكنولوجيا، مصطلح غير دقيق، لأن الأيديولوجيات تتكيف مع الظروف الجديدة كالتقدم والعولمة وتظهر في أشكال جديدة لها نفس النسق الأيديولوجي.
العقل والأيديولوجيا
يناقش المؤلف العلاقة الجدلية بين العقل والأيديولوجيا، ويرى أن الأيديولوجيا تستخدم العقل، ورغم استخدامها له فإنها تحد من حريته؛ ومن ثم، يقسم العلاقة بين العقل والأيديولوجيا إلى قسمين:
- حدود العقل من وجهة نظر الأيديولوجية: فالأيديولوجيات تقيد قدرات العقل البشري، وعلى رأسها التفكير المنطقي الموضوعي، لأن الأيديولوجيا في حد ذاتها نظام فكري غير منطقي متحيز بشكل واعٍ، فترسم الأيديولوجيا حدود للعقل عبر فرض مفاهيم بعينها أو تقيدها مثل تقييد التفكير النقدي لخدمة الأيديولوجيا، الأمر الذي يجعل من العقل سجيناً للأيديولوجيا ويفقد قدرته النقدية.
- حدود الأيديولوجيا من وجهة نظر العقل: فالعقل يمكن أن يكشف عن قيود الأيديولوجيا ويحدد نطاق تأثيرها، فالأيديولوجية كنظام فكري يحمل تحيزات اجتماعية، بينما العقل أداة نقدية قادرة على التحرر من هذه التحيزات، ما يجعل العقل يحدد حدوداً للأيديولوجيا عبر كشف تناقضاتها الداخلية واختلاف ممارستها الفعلية عن منظومتها الفكرية.
يقول نصار إن العقل رغم استخدام الأيديولوجيا له فإنه ليس أداة سلبية، بل هو قوة قادرة على تفكيك الأيديولوجيا؛ ورغم تقييد الأيديولوجيا للعقل، فإن العقل به قدرة ذاتية على التمرد على هذا القيد وملاحظة التناقضات الفكرية والتحيزات الاجتماعية في البناء الأيديولوجي ونقده وتفكيكه.
ويسعى الكاتب إلى فهم التحولات الأيديولوجية، لا سيما في الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي، ويرى أن الأزمة التي تعرضت لها الأيديولوجيا لم يكن سببها في التطبيق، بل في النظرية الفكرية نفسها.
ويُصنف هذه الأزمة إلى أشكال ثلاثة:
- شكل الاستنفاذ: وهو الحالة التي تصل فيها الأيديولوجيا إلى نهاية مواردها الفكرية والعلمية، ما يجعلها غير قادرة على تقديم حلول جديدة، فتصاب الأيديولوجيا بالجمود وتصبح عاجزة عن التكيف مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.
- شكل الهامشية أو الانقطاع: وهو الحالة التي تتحول فيه الأيديولوجيا إلى "هامش غير مؤثر"، أو تنقطع عن الواقع الاجتماعي، وتفقد الأيديولوجيا قدرتها على التواصل الفكري والاجتماعي والجماهير، ما يؤدي إلى انقطاع الأيديولوجيا وعزلتها عن التحديثات الحديثة.
- شكل التطابق التراجعي: وهو الحالة التي تتكيف فيها الأيديولوجيا مع الواقع الجديد، لكن بطريقة تراجعية تعيد إحياء أفكار قديمة، وهي حالة تظهر عندما تعتمد الأيديولوجيا على الماضي بدلاً من الابتكار والتجديد، فالتطابق التراجعي للأيديولوجيا محاولة لتجنب أي تغيير حقيقي.
صورة الآخر
وينتقل نصار إلى إمكانية خروج الأيديولوجيات العربية، مثل "القومية والاشتراكية"، من مأزقها الحالي، لا سيما أن الأيديولوجيات العربية واجهت تحديات كبيرة خصوصاً بعد فشل تجارب القومية والاشتراكية في القرن العشرين، ما أدى إلى أن تفقد هذه الأيديولوجيات العربية قدرتها على مواجهة التحديات الحداثية المعاصرة مثل العولمة.
يُحلل المؤلف صورة الآخر في الخطاب الأيديولوجي، ويصفها بأنها "صورة مركبة ومشحونة وعاطفية"، ويحلل البناء الأيديولوجي الذي يرى في الآخر تمثيلاً رمزياً أو فكرياً لكيانات خارجية تقابل الذات الجماعية؛ ويميز بين الآخر الذي يعرفه بأنه الكيان المقابل الذي يشكل هوية الذات عبر الاختلاف والتباين، والأجنبي الذي يمثل جماعة أو مجموعة من خارج الحدود الجغرافية والثقافية، والغريب الذي يمثل كياناً يثير الشك والرفض داخل المجتمع نفسه.
ويشدد على أن صورة الآخر ليست انعكاساً موضوعياً للذات، بل هي بناء أيديولوجي يخدم أغراضاً محددة، والتمييز بين "الآخر" و"الأجنبي" و"الغريب" يعكس مستويات مختلفة من التهديد أو الاندماج.
وختاماً، يكشف المفكر اللبناني ناصيف نصار، في كتابه "الأيديولوجيا على المحك: فصول جديدة في تحليل الأيديولوجية ونقدها"، البنية الديناميكية الحية للأيديولوجيا التي تتفاعل مع الواقع وتؤثر فيه، ويفكك المعاني الخفية والمتحيزة للأيديولوجيا عبر النقد الأيديولوجي، ليزعزع السيطرة الفكرية والثقافية للأيديولوجيا، ويرفض الادعاء بأن عصر الأيديولوجيات انتهى، لأنها تحولت وتطورت للتناسب مع الظروف الجديدة، الأمر الذي يؤكد أهمية توفير الأدوات اللازمة للعقل البشري للتحرر من قيود الأيديولوجيا عبر العقلانية والوعي الاجتماعي.