الثقافة العربية:

رؤية في بناء نموذج ثقافي عربي جديد

مركز حوار الثقافات

28-08-2025

يبحث المفكر السعودي تركي الحمد (1953م)، في كتابه "الثقافة العربية أمام تحديات التغيير"، عن إجابة سؤال محوري في الثقافة العربية، فحواه: كيف يمكن للعرب الاندماج في العصر الحديث وممارسة دور إيجابي فيه (؟).. ويرى أن الحل يبدأ من المستوى الثقافي؛ إذ يعتبر الثقافة إطاراً عاماً لفهم العالم والتفاعل معه؛ لكنها في المقابل يمكن أن تكون عائقاً إذا لم يمكن تكييفها مع المتغيرات المعاصرة، لا سيما وأنه يرى الثقافة العربية تعاني من خلل في البنية الفكرية والاجتماعية، ما يحول دون مواكبتها للعصر. 

ومن ثَم، فهو يشدد على إعادة النظر في المفاهيم الأساسية للثقافة العربية، كالتعريفات التقليدية والأُسس الإبستمولوجية المعرفية، وذلك قبل تحليل خصائصها العامة والانتقال إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. 

نظام معرفي

يؤكد الحمد أن الثقافة ليست مجرد مظاهر خارجية أو تراث تاريخي، بل هي نظام معرفي وقيمي يحدد طريقة التفكير والسلوك، موضحاً أن التحدي الأكبر يكمن في تجاوز الرؤى السطحية التي تربط الثقافة باللغة والتقاليد فقط. ويذهب إلى أن فكرة التحديث الحقيقي تتطلب تغيير البنية الفكرية الجذرية بشكل كامل، وليس الاعتماد على التكنولوجيا واستيرادها، أو استنساخ النماذج الحداثية الغربية؛ محذراً من أن الاستمرار في التعامل مع الثقافة كمُعطى ثابت سيؤدي إلى تخلف أعمق، خصوصاً في ظل العولمة التي تُعيد تشكيل الهويات والقيم العالمية، حسب قوله.

ويركز الكاتب على الصفة الوظيفية للثقافة، ودورها في تنظيم المجتمع وتحديد علاقاته بالعالم الخارجي والثقافات المُتعددة؛ ويتجاهل الجدال الدائر حول تعريف الثقافة، ليمارس فكراً براجماتياً عن وظيفة الثقافة ودورها، مُشيراً إلى أن معظم التعريفات التقليدية للثقافة العربية تُركز على الماضي وتُهمش الحاضر، ما يُضعف قدرتها على التفاعل مع التحديات المعاصرة. ثم يطرح مفهوماً ديناميكاً للثقافة، حيث يعتبر الثقافة "عملية من التفاعل المستمر بين الداخل والخارج". ويرفض اعتبار الثقافة كياناً مُغلقاً، كما يرفض استخدامها أو استخدام المفردات الثقافية، مثل الإسلام والعروبة والهوية العربية، كأيديولوجيات تبرر حالة الركود والتخلف والجمود الذي يُعاني منه العالم العربي، بدلاً من دعم الإبداع وتفعيل الابتكار وإيجاد حلول للمشكلات الفكرية والمجتمعية.

نموذج معرفي 

يبحث المؤلف في مشكلة المعرفة في الثقافة العربية، ويرى أن النموذج المعرفي العربي يعتمد على التراث والنقل أكثر من التحليل والنقد، وأن هذه الطريقة في بناء المعرفة –أي الاعتماد على التراث والنقل والتقليد- تحد من القدرة على التكيف مع التغيرات المتسارعة، وتجعل الثقافة العربية غير قادرة على إنتاج حلول مبتكرة للتحديات المعاصرة. كما يُقارن بين النموذج المعرفي الغربي الذي يُعطي الأولوية للتجربة والتجريب، وبين النظام المعرفي العربي الذي يستخدم التلقين والتلقي والتقليد، ما يدفعه إلى المطالبة بـ"إعادة تشكيل النموذج المعرفي العربي"، ليتجاوز النقل والتلقي والتلقين والتقليد، ليؤسس على النقد والتجريب والتفاعل مع المعرفة العالمية الحديثة.

يقول الحمد إنه من الهام إعادة النظر في منهجية التفكير العربية وتأثيرها على الثقافة، بحيث تصبح أكثر تحرراً وانفتاحاً، ما يتيح الخروج من أسر النموذج المعرفي الثقافي الواحد، الذي يركز على التراث كمصدر وحيد للمعرفة يُكرس للتخلف والجمود الفكري والتراجع الثقافي.

ويوضح أن الثقافة العربية لها عديد من الخصائص السلبية، مثل التشتت والتركيز على الماضي، وعدم القدرة على التفاعل مع التنوع؛ ويرى أن هذه الخصائص السلبية للثقافة العربية تعوق تكوين هوية ثقافية موحدة قادرة على مواجهة العولمة. وفي الوقت نفسه، يرفض الرأي الذي يذهب إلى أن الثقافة العربية "تُمثل وحدة متجانسة"، ويرى أن الثقافة العربية تضم "تناقضات داخلية"؛ مثل التباين والاختلاف بين الحضر والريف، وكذلك التباين بين الطبقات الاجتماعية، الأمر الذي يُضعف قدرة الثقافة العربية على التفاعل مع المُتغيرات العصرية؛ مُشدداً على أهمية أن تكون الثقافة العربية "مصدراً للتحرر الفكري في جميع المجالات دون استثناء، وعدم استخدامها للهيمنة أو السيطرة الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية"، حسب قوله.

إصلاح ثقافي

يرى الكاتب أن العولمة كنموذج كوني تفرض نموذجاً ثقافياً واحداً، الأمر الذي يُهدد التنوع الثقافي والعلاقات بين الثقافات المختلفة، ومنها الثقافة العربية والثقافات الأخرى العالمية. ورغم خطر العولمة على الثقافة العربية المحلية، لكنه لا يدعو إلى الانعزال؛ بل على العكس، يطالب بالتفاعل الاختياري مع الثقافة العالمية، مع تشديده على أهمية أن تُحافظ الثقافة العربية على خصوصيتها، إضافة إلى استفادتها من الجوانب المفيدة في الثقافات الأخرى، لافتاً إلى أهمية التزام منهج متوازن يحافظ على الخصوصية الثقافية والهوية العربية، وينفتح على الآخر ويتفاعل مع الثقافة العالمية والثقافات الأخرى ويستفيد منها، خصوصاً الاستفادة من آلياتها الفكرية وأطرها المعرفية.

ويوضح الحمد أن التشتت الذي تتصف به الثقافة العربية يجعلها غير قادرة على تقديم رؤية مشتركة لمواجهة التحديات. ورغم تأكيده على أهمية التفاعل الحضاري، فهو يشدد على أهمية الهوية الموحدة القادرة على لم الشمل العربي، واستيعاب الاختلاف والآراء المختلفة النابعة من الداخل المجتمعي، حسب قوله. 

ويتهم الحمد الثقافة العربية، وبالتالي المثقفين العرب، بأنهم يسعون إلى الحلول المؤقتة دون محاولة "الإصلاح الجذري" الحقيقي، ويرى أن لهم نظرة ترى الاختلاف والمعارضة الفكرية تهديداً للهوية، وليس النظر إلى الاختلاف على أنه مصدر للتجديد والإبداع. ويرفض فكرة التقديس التي تعيشها الثقافة العربية وتعطي لها سلطة مقدسة، سواء في الدين، أو في الفكر، أو السياسة، أو في المجتمع؛ الأمر الذي يجعله يشدد على أهمية العمل على إعادة تشكيل الثقافة والأطر الفكرية الخاصة بها، لتعزيز الحرية والشفافية والمساءلة العقلية والنقد، لا سيما أن الثقافة العربية تعيش حالة من التناقض بين التقاليد والتحولات المعاصرة. 

ويطالب بأهمية أن تُعيد الثقافة تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، حتى يقتصر الماضي على أن يكون مصدراً للإلهام، وليس قيداً أو مانعاً ضد التفكير الحر والتغيير في الحاضر أو المستقبل. ويرى أن حل أزمة الثقافية يجب أن يبدأ بتجاوز حالة رفض التغيير التي تعاني منها، ويشدد على أهمية إعادة تشكيل الثقافة حتى تصبح متفاعلة مع التغيير، مع تأكيده على أهمية إصلاح التعليم وتغييره بشكل جذري، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إحداث تغيير إيجابي في الفكر والمجتمع والسياسة والاقتصاد، وبالتالي يؤدي إلى دعم الثقافة الجديدة.

وختاماً، يقترح المفكر السعودي تركي الحمد، في كتابه "الثقافة العربية أمام تحديات التغيير"، تقديم نموذج ثقافي عربي جديد، قائم على النقد الذاتي والتفاعل مع المعرفة والثقافة العالمية، والانفتاح على التنوع الداخلي والخارجي؛ كما يدعو إلى إصلاح التعليم وتشجيع النقد والابتكار ودعم البحث العلمي واستخدام المناهج العلمية الحديثة، لما لذلك من تأثير إيجابي في طرق التفكير.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة