الحق في الاختلاف:

بناء المعرفة عبر توظيف المفاهيم

مركز حوار الثقافات

19-11-2024

إجابات فكرية وفلسفية لأسئلة تواجه الأمة المسلمة وتتحدى ثقافتها وخصوصيتها، يقدمها لنا المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، عبر صفحات كتابه "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري"، الصادرة طبعته الأولى عام 2005م عن المركز الثقافي العربي.

تساؤلات الأمة 

يستهل عبد الرحمن كتابه بقوله إنه لا يخفى أن لكل زمان أسئلته التي تخصه؛ كما لا يخفى أن واجب كل أمة، كائنة ما كانت، أن تُجيب عن هذه الأسئلة. لكن ما قد يغيب عن أذهان البعض هو أن الأمّة لا تكون أمّة بحق حتى ترتقي بالجواب عن أسئلة زمانها إلى رتبة الاستقلال به؛ إذ ليس لها إلى امتلاك ناصية هذا الزمان من سبيل إلا هذا الجواب المستقل، وإلا صار مِلكه إلى أمةٍ سواها، فتُضطر إلى أن تجيب بما تجيب به هذه، مسلِّمة، وهي راغمة، قيادتها إليها.

ويتساءل عبد الرحمن: هل للأمة المسلمة جوابها الخاص عن أسئلة زمانها؟ موضحاً أن هذا السؤال يزداد إلحاحاً؛ إذ لا ينحصر في زمن البعثة النبوية، ولا في الفترة التي استغرقتها حضارتها، وإنما يمتد إلى زماننا، وإلى كل زمان يأتي من بعده، لأن الإسلام هو الدين الخاتَم، وهو ناسخ غيرُ منسوخ.

كما يشرح لنا الروح الخاصة التي تميز الجواب الإسلامي، التي تؤمِّن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى، ولو كانت أشدَّ منها بأساً، ويوضح أن الخصائص الاختلافية الإسلامية تنبني على مبدأين أساسيين: أولاً، مبدأ اختلاف الآيات، موضحاً الفرق بين الظاهرة والآية؛ وثانياً، مبدأ اختلاف الناس، والفرق بين المجتمع والأمة.

فتختص اختلافية الجواب الإسلامي بكونها اختلافية إيمانية أولاً؛ لأن النظر الملكوتي يورث المسلم رسوخ الإيمان، واختلافية أخلاقية ثانياً؛ لأن العمل التعارفي مع الناس يورثه دوام التخلُّق.

اختلاف القيم

يقول عبد الرحمن إن النظر المُلْكي إلى القيم أدى إلى جعل التصادم صفة ملازمة للاختلاف في القيم عموماً، وإلى الاختلاف في القيم الأخلاقية خصوصاً.

ويوضح أن دفع هذا الصدام القيَمي يمكن تحقيقه متى تمسَّكنا بالنظر الذي يربط القيم بمجالها الأصلي، هذا الربط الذي ينتج منه وصْل العقل بالإيمان، ووصْل الثقافة بالفطرة، وأخيراً وصل السياسة بالخير.

ويقول إن القيم المكتسبة في الثقافة الإسلامية تبقى موصولة بالآيات التي تفرَّعت منها، فلا تتجرَّد كما تتجرد قيم الثقافة الكونية، كما أن القيم الموروثة منها تبقى حية في القلوب، فلا تُختزن في الذاكرة كما تُختزن هذه القيم الكونية، ولا تُمحى منها كما قد تُمحى هذه؛ ويشرح أن ما زاد إصرار أصحاب القيم الكونية على تدمير الثقافية الإسلامية الخاصة، ما وجدوه فيها من قدرة على توجيه القيم التي يبثونها فيها إلى نقيض مقصودهم، فقد أرادوا أن تهيمن فيها هذه القيم المبثوثة على القيم الأصلية، لكن هذه الثقافة المتصلة ما لبثت أن نقلت إلى هذه القيم المبثوثة الصلةَ الإيمانية التي تتمتع بها القيم الأصلية، حتى استحقت هذه الثقافة أن تكون هي نفسها آية من الآيات الكبرى.

وينبِّه الكاتب إلى أن القيم التي تقترن بالظواهر، رافعة إيَّاها إلى منزلة الآيات، هي أصلاً قيم توصّل إلى الإيمان، لكن هذه القيم الإيمانية ما لم تتحقق في عمل حيٍّ لدى الناظر في هذه الآيات، وتتجلّى في سلوكه الخُلُقي، تبقى معرضة لأن تُنتزع من أصولها.

ويقول عبد الرحمن إن النقد الأخلاقي، هنا، ليس محاكمة الأمَّة أو الأمم، وإنما تقويم قدرتها على العمل التعارُفي، مع العلم بأن هذا العمل الخاص يرتفع بالمجتمع إلى رتبة الأمَّة، مورِّثاً أفراده التخلّق الذي يرتقي بهم في مدارك الكمال السلوكي.

ويوضح أن النقد الأخلاقي للواقع الكوني يكشف أن العنف الذي يصدر عنه، في مجال الأخلاق، يتمثل في كونه يسلك في التعامل مع الأمم طريق العمل التعاوني، لا طريق العمل التعارُفي المطلوب في هذا التعامل؛ ولمَّا كانت المجتمعات، متى اغترَّت بأسباب القوة، قد تطغى وتتعاون على فعل المنكر والأمر به، فلا غرابة أن تكون الوقاحة أحد المظاهر البارزة لهذا التعاون.

الاختلاف الفكري 

يتضمن الاختلاف بين الأمم عدة مجالات، حسب الكاتب، منها المفاهيم والأحكام والقيم، غير أن هذا الاختلاف الفكري لا يحول دون تمسُّك إحدى الأمَّتين المختلفتين بأفكارها إلى حد التصلُّب فيها والتوقُّح على أمة أخرى، لذا تقرر ضبط التعامل بين الأمم بمبادئ أخلاقية، وهي مبدأ الاحترام، ومبدأ الاعتراف، ومبدأ التصويب.

ولا يمكن دفع التصلب والتوقُّح إلا باللجوء إلى مبدأ إسلامي يرتقي بالتعامل بين المجتمعات إلى رتبة العمل التعارُفي العليا، وهذا المبدأ هو بالذات مبدأ الحياء؛ إذ يوجب على الأمة الاستحياء من غيرها بقدر ما يوجب الاستحياء من خالقها، فضلاً عن الاستحياء من الذات في ما لا يرضيه، حسب الكاتب.

ويقول الكاتب إن الفكر الذي يرى الحق في جانب أمة واحدة بعينها، ويرى سواها من الأمم على باطل يسمى "الفكر الإثنيني"، وهذه هي الحال التي أصبح عليها الفكر الأمريكي، ممثلاً بالأساس في الحكام والسياسيين وكثير من المثقفين.

ويبيِّن أن هذا الفكر و"وقاحته الإنكارية" لا يقدر على دفعهما إلا مبدأ إسلامي ثانٍ، وهو مبدأ "الجهاد الأخلاقي"، ومقتضاه أن الأمة "ينبغي أن تُخلص في كل فعل تأتيه، وتُحسن في كل وقت، وتبذل النفس عند الضرورة"، حسب قوله.

الفكر الأحَدي

ويمر الكاتب على ما يسمى "الفكر الأحَدي" مروراً سريعاً، فهو المناظر لما شاع باسم "العولمة"، ويلفت إلى أن هذا الفكر –العَوْلمي- اختار أشكالاً أفضت به إلى إنكار اختلاف الأمم، واقعاً في ما أسماه "وقاحة بالغة" وهي وقاحة الاجتثاث، ولا سبيل إلى درء هذه الوقاحة إلا بالرجوع إلى مبدأ إسلامي آخر، هو "مبدأ الحكمة"، حسب قوله.

ويؤكد عبد الرحمن، عبر كتابه، أنه ينبغي وضع الجواب الإسلامي في السياق الذي توخَّينا تحقيقه، وهو الإسهام في إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة، ومعلوم أن موضوع الفلسفة الأخلاقية عموماً هو النظر في أفعال الإنسان من حيث اتصافها بالقيمتين، الخير والشر، فيلزم أن هذه الفلسفة، حتى إذا تعرضت لأفعال اقتصادية أو أفعال سياسية أو أفعال معرفية صريحة، فهي لا تنظر فيها إلا من جهة هذا الضرب من التقويم الأخلاقي.

وأوضح أن لكل نوع من هذه الأفعال قيمتين مختلفتَين تخصّانه؛ فالفعل الاقتصادي يختص بقيمتَي الرواج والكساد، والفعل السياسي يختص بقيمتي المصلحة والمضرَّة، والفعل المعرفي يختص بقيمتَي الفائدة واللغو. بالنسبة إلى الفعل الاقتصادي: الرواج خير والكساد شر؛ وبالنسبة إلى الفعل السياسي: المصلحة خير والمضرّة شر؛ وبالنسبة إلى المعرفة: الفائدة خير واللغو شر.

ويرى الكاتب أن الجواب الإسلامي لا بد أن يكون في جملته جواباً أخلاقياً؛ لأنه ينبني أساساً على ما جاء به دين الإسلام، وصلة "الأخلاق" بـ"الدين" لا ينازع فيها إلا مكابرٌ، وقد تتخذ هذه الصلة صوراً عدة، إحداها أن "الدين هو الأصل في مكارم الأخلاق"، والثانية أن "الدين هو الأصل في التقويم الأخلاقي للأفعال"، والثالثة أن "الدين كله أخلاق، أحكاماً ومقاصد".

وختاماً، يدفع طه عبد الرحمن الاعتراض على أخلاقية الجواب الإسلامي والاعتراض على مسلَّمات الجواب الإسلامي، وكذلك يدفع الاعتراض على مفاهيم الجواب الإسلامي على سؤال زماننا هذا، ذاكراً أن نفي صفة الإبداع عن مفاهيمنا إنما يدل على جهل صاحبه بمقتضيات المفاهيم، وضعاً وتوظيفاً، فقد يضع الواضع المفهوم، ولكنه لا يعرف كيف يوظّفه أو يستثمره، والحال أنه "لا بناء للمعرفة إلا بوجود هذا التوظيف أو الاستثمار"، حسب قوله.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة