العرب والحداثة:

الفكر العربي وإشكاليات النموذج الأوروبي

مركز حوار الثقافات

06-08-2025

في كتابه "العرب والحداثة: دراسة في مقالات الحداثيين"، يكشف المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز (1959م)، أزمة الحداثة العربية وارتهان الفكر العربي للنموذج الغربي، ويسعى إلى تشخيص أخطاء المشروعات الحداثية العربية، حتى يمكن تجاوزها وفتح أفق فكري جديد قادر على تأسيس حداثة خاصة بالعالم العربي، تتلافى عيوب المشروعات النهضوية والحداثية السابقة.

خطاب أيديولوجي

يتساءل بلقزيز: ما هي الحداثة؟ وهل يمكن للعرب أن يدخلوا أفق الحداثة الفكرية دون أن يكونوا مستهلكين؟ ويرصد أزمة العلاقة بين الفكر العربي ومفهوم الحداثة، فيرى أن "النقد الحداثي العربي" ما زال محدوداً وعاجزاً عن تأسيس حداثة عربية خالصة، بسبب "الارتهان إلى النموذج الأوروبي واستنساخه"، ويفرق بين الحداثة كفكرة وكمنتج تاريخي أوروبي، ويذهب إلى أن المثقفين العرب الحداثيين لم يتجاوزوا الحداثة كمنتج تاريخي أوروبي، فظلوا واقعين في أسر النموذج الغربي.

يوضح الكاتب أن مفكري النهضة تعاملوا مع مفهوم الأصالة كمرجعية تأسيسية للهوية، وحاولوا إحياء التراث لا بوصفه "ماضياً انتهى"، بل بوصفه "بنية قابلة للتجديد"؛ وخرجوا بمفهوم الأصالة من فكرة الاستعادة إلى فكرة أن تكون الأصالة "عملية تكيف مع العصر". لكن أجيالاً لاحقة من المفكرين العرب حولوا الأصالة إلى "خطاب أيديولوجي" جامد، وأصبحت الأصالة مفهوماً له استخدامات سياسية ومجتمعية، تُستعمل لتبرير "الممانعة ضد الحداثة"، ما تسبب في إجهاض إمكانية الانفتاح الفكري على العصر الحديث. 

كما أن مفهوم الأصالة اتسم بتناقضات بنيوية، مثل "ادّعاء امتلاك هوية ثابتة في سياق تحولات عالمية كبرى"، وأصبحت الأصالة "حالة من الإنكار للتاريخ وللحاضر"، ما تسبب في نوع من "الانفصام الثقافي"، وفق قوله.

حداثة دخيلة

يؤكد المؤلف أن الحداثة في الفكر العربي لم تنشأ وفق سياق تاريخي طبيعي، بل جاءت دخيلة وقسرية ودخلت في مواجهات مع البنى التقليدية الراسخة في المجتمعات العربية. ورغم أن محاولات الحداثة ولدت مع مشروعات النهضة العربية، فإنها بقيت سطحية وفوقية ولم تتحول إلى بنية مؤسسة تكرس لاستداماتها، ويذهب إلى أن عديداً من الحداثيين العرب، آنذاك، رغم تبنيهم قيماً مثل الحرية والعقل والتقدم، وقعوا في تناقضات مثل "غياب مشروع حداثي كامل"، و"إصرارهم على النمط الغربي كمرجعية وحيدة للحداثة". 

ويرى بلقزيز أن المفكرين العرب حينما التقوا الفكر الغربي، مع بدايات عصر النهضة العربي، مروا بمراحل ثلاث متتالية: بدأت من الانبهار بالفكر الغربي؛ ثم الشك والنقد.. وانتهاءً بالرفض الأيديولوجي، المتمثل في تغير النظرة إلى الغرب واعتباره خصماً يجب مقاومته. 

ويصف هذه المرحلة بأنها "مرحلة انفعالية"، لا تنظر إلى الآخر الغربي باعتباره نموذجاً حضارياً يمكن الاستفادة منه؛ ويرى أن هذا الرفض لا يمثل وعياً نقدياً مستقلاً، بل هو "رد فعل نفسي وتاريخي مشحون".

ويشدد على أن المفكرين العرب "لم يبلوروا وعياً ذاتياً حقيقياً"؛ فظل وعيهم لا يُعرف إلا من خلال الآخر، ويرى أن الفكر العربي يتعامل مع الحضارة الغربية على أنها كتلة واحدة، وأن العالم الغربي "واحد مهيمن" وهو فهم سطحي للعلاقة مع الغرب، ما يؤسس لانقسام بين الخطاب النهضوي وبين الواقع المتخلف، ما يؤدي إلى حالة من "التمزق التاريخي" يُعاني منه الفكر العربي، حسب قوله.

التقليد والواقع

يوضح بلقزيز أن الحداثة العربية لم تنشأ كتجربة طبيعية، بل نشأت في سياق "الانقطاع بين التقليد والواقع"، فهي حداثة "مُقحمة" غير مكتملة؛ والحداثة كمشروع ظهر في القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي (1801-1873م)، وخير الدين التونسي (1820-1890م)، وبقيت مبادرات فكرية متناثرة ولم يكن لها بُعد مؤسسي. ثم ينتقل إلى ما وصفه بـ"ازدهار خطابات الحداثة" في الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي؛ حيث ظهرت مشاريع حداثية فكرية لدى عديد من المفكرين، مثل المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1930-2010م)، والمفكر الجزائري محمد أركون (1928-2010م)، الذين اتخذوا من العقل والعلم والتاريخ أدوات مركزية لبناء مشروع حداثي، لكن هذه المشروعات الحداثية المتفردة بقيت "احتفالية فكرية"، ولم تتجذر لدى المجتمعات وفي المؤسسات التعليمية والاجتماعية، حسب قوله.

ويرصد الكاتب تراجع المشروع الحداثي منذ أواخر السبعينيات بسبب انهيار المشروع القومي وصعود تيارات الإسلام السياسي، ما أدى إلى انكفاء المثقف الحداثي على ذاته وعجزه عن التجديد، ما جعل الفكر العربي "لا ينتج حداثة كاملة"، بل كانت مجرد "رغبة في التنوير غير قادرة على تفعيل ذاتها". فرغم أن الحداثيين العرب تبنوا مفهوم العقلانية، فإنها عقلانية انتقائية مجزّأة خالية من الشمولية التي تتمتع بها العقلانية الغربية، فالعقلانية لها مظاهر يجب أن تتحقق مثل فصل الدين عن السياسة وإعطاء الأولوية للعلم والمعرفة وإعادة قراءة التراث نقدياً.

يقول بلقزيز إن الفكر العربي لم يحقق مشروعاً تنويرياً موحَّداً، وشهد "قسمة معرفية" بين تيار عقلاني نقدي وتيار رمزي أخلاقي يميل إلى الخطابة والأخلاق، وهو انقسام أفقد الحداثة قدرتها على بناء مشروع متكامل.

مستويات ثلاثة

يذهب المؤلف إلى أن حصيلة الفكر الحداثي العربي من عصر النهضة إلى الآن يتمثل في ثلاثة مستويات:

- عقلانية إصلاحية مُجهضة: تتمثل في التجارب الإصلاحية الإسلامية، عند رفاعة الطهطاوي وجمال الأفغاني (1838-1897م)، وهي عقلانية انتقائية لم تستطع بلورة مشروع نظري متكامل وكانت مشروطة بالسياسي أكثر من المعرفي.

- عقلانية حداثية آفلة: وهي المشاريع العقلانية الحداثية عند الجابري وأركون كأمثلة، ورغم جديتها فإنها سقطت في فخ النخبوية وفقدت علاقتها بالواقع الاجتماعي والسياسي، وتحولت إلى "تأملات فوقية".

- إرهاصات عقلانية تركيبية: ويرى أنها محاولات جديدة لدمج الحداثة والتراث، وأنها محاولات لم تنضج كمشروع حداثي مُتكامل ويصفها بأنها محاولات "جنينية" لم تنضج بعد.

ورغم تأكيد الكاتب على فشل المستويين الأول والثاني من حصيلة الحداثة العربية، فإنه يرى أن المستوى الثالث الذي يدمج بين التراث والحداثة، يمكن أن يؤسس مشروعاً حداثياً متكاملاً، لا سيما إذا توفرت له القدرة على تلافي أخطاء المشروعات الحداثية السابقة، حسب قوله.

مرتكزات حداثية

يعرض بلقزيز لثلاث حالات فكرية، وصفها بأنها شكلت مرتكزات في الفكر الحداثي:

- أحمد لطفي (1872-1963م): ويذهب إلى أنه وضع تصوراً للحرية تجاوز القيمة الأخلاقية وجعل منها نظاماً مدنياً شاملاً يرتكز على القانون والدستور.

- علي عبد الرازق (1888-1966م): الذي فكك الارتباط بين الدين والسياسة، وكشف أن الخلافة ليست نظاماً إلهياً بل اجتهاد تاريخي تأسس على القوة، ودعا إلى دولة مدنية.

- طه حسين (1889-1973م): الذي طرح مشروعاً ثقافياً وتربوياً، اتخذ من الحضارة الغربية نموذجاً للحداثة، وجعل من التعليم أساساً رئيساً في بناء المجتمع.

يؤكد الكاتب أن النماذج الفكرية السابقة رغم جهدها الفكري لم تؤسس لمشروع حداثي يتبناه المجتمع، وانحصرت الأفكار في "البنية الفوقية" دون قدرة على تطبيقها أو صياغتها في مشروع كامل، حسب قوله.

وختاماً، يرى المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، في كتابه "العرب والحداثة: دراسة في مقالات الحداثيين"، أن العلاقة بين الفكر العربي والحداثة علاقة متأزمة، فالمفكرون العرب وقعوا أسرى النموذج الأوروبي من الحداثة دون إنتاج مشروع حداثي خاص بالعالم العربي، وتفاوتت علاقتهم بالغرب من الانبهار إلى النقد ثم الرفض الأيديولوجي الانفعالي؛ ويرى أن الحصيلة الحداثية العربية تندرج ضمن ثلاثة مستويات: عقلانية إصلاحية مجهضة، وحداثية نخبويّة آفلة، ومحاولات حداثية تركيبية لم تنضج بعد، لكن لها قدرة على تأسيس مشروع حداثي كامل مع تلافي أخطاء المستويين السابقين.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة