العقل الإسلامي:

دور المثقف العضوي في الإصلاح الديني

مركز حوار الثقافات

08-05-2025

هل العالم الإسلامي قادر على الانبعاث الحضاري من جديد (؟!)، سؤال يطرحه المفكر التونسي عز الدين عناية، في كتابه "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث"؛ محاولاً الإجابة عنه لتذليل العقبات الماثلة أمام الحداثة والنهضة في العالم الإسلامي، التي منها ظهور أنماط وأشكال مختلفة، تحاول السيطرة على المجال الفكري للعالم الإسلامي، وإعادته إلى حالة الجمود والتخلف، مثل التيارات الأصولية؛ ما يجعله يُشدد على أهمية وجود مثقف عضوي متفاعل مع المجتمعات العربية وإشكالياتها، كما يجعله متسلحاً بالعلوم والمناهج الحديثة والقدرة النقدية للتراث، ليُحقق إصلاحاً دينياً حقيقياً يتجاوز محاولات التجديد السطحية، ما يُسهم في بناء فكر إسلامي معاصر قادر على التفاعل والتأثير الحضاري والحوار مع الآخر والاستفادة منه.

غياب الفاعلية

العقل الإسلامي الحديث يعاني من "غياب الفعل الحضاري الفاعل والمؤثر"، بحسب عناية، الذي يرى أن العقل الإسلامي المعاصر يعيش حالة سكون ولا فاعلية، سببها آليات التفكير التي تحكمه وتتحكم فيه ويصبح أسيراً لها؛ وهي آليات تقليدية موروثة لا تصلح للعصر الحديث بكل ما فيه من تحديات وإشكاليات الواقع، ما يجعل العقل الإسلامي يعاني حالة من القلق سببه انجذابه للتاريخ وأحداثه الماضية من جهة، و"إكراهات الواقع المعاصر" من جهة أخرى.

ويرى المؤلف أن العالم الإسلامي يعاني حالة تصلب حضاري تعيشها المجتمعات الإسلامية، التي تفتقد دور المثقف الذي يعاني من هشاشة دوره الحضاري، وما يواجهه من تحديات وإكراهات متنوعة تعوق دوره في تحقيق النماء الفكري والحضاري، ما يجعل المثقف والمفكر الإسلامي غير قادر على تأسيس هوية واضحة وثابتة، الأمر الذي يجعل من الصعب إيجاد قوة قادرة إلى إنجاز أي تغيير.

تحديات كبرى

يرى "عناية" أن العالم الإسلامي يواجه تحديات كبرى في محاولة السعي نحو "الانبعاث الحضاري"؛ منها هيمنة العقل الغربي عليه وفرض تأثيره على المجتمعات الإسلامية، ما يجعلها غير قادرة على فعل التحديث والتوليد الحضاري. كما أن هيمنة العقل الغربي المسيطر على المجتمعات العربية تضعها في موقع "المتلقي والمنفعل"، بدلاً من أن تكون مجتمعات مبادرة مؤسسة قادرة على عملية التأسيس والبعث، الذي يستلزم التخلص من الهيمنة الغربية، وبدء عمليات البعث الجديد والتأسيس الحضاري وفق شروط ومتطلبات "التدافع الكوني والصراع الحضاري"، ما يجبر المجتمعات الإسلامية على الاهتمام بالآخر ورؤاه وفهمها وفهم أحكامه، حسب قوله.

وينادي عناية بضرورة تفعيل "علم الاجتماع الديني"، في دراسة المجتمعات العربية والثقافة المجتمعية والفكرية الإسلامية والدينية؛ وهو علم، وفق قوله، شديد الأهمية ويجب تفعيله وتطبيقه بعيداً عن علم الاجتماع الديني ذي الطابع الغربي، المتأثر بالمفاهيم الدينية المنبثقة من الوعي الغربي المسيحي، ويطالب بأهمية تذليل الصعوبات أمام الباحثين في هذا العلم.

ويوضح أن علم الاجتماع الديني قادر على تفسير وجهات النظر والرؤى المتناقضة للإسلام، وإيجاد تفسيرات جديدة للتفسيرات الأيديولوجية، إضافة إلى قدرته على قراءة التفسيرات المختلفة للإسلام، كالتفسيرات الأصولية والتقليدية والسلطوية، وتجاوز هذه التفسيرات والعودة إلى الإسلام بوصفه رؤية وجودية مؤثرة في السلوك الفردي والجماعي، ومتحررة من محاولات الاستحواذ عليه.

سلطة التراث

ينتقد الكاتب استمرار سلطة الموروث الديني في المجتمعات العربية، واستمرار التلاعب بها من قبل عديد من القوى المؤسساتية والتقليدية في العالم الإسلامي، التي ورثت رؤية إسلامية منهكة وفارغة من المحتوى الحقيقي الفاعل للإسلام؛ بل وتختزل العقائد في طقوس وممارسة منحدرة من "إسلام الطرق الصوفية والاعتقاد في الأولياء"، ما شكل عائقاً أمام التحول إلى الإسلام النقي الأصيل بعقائده الشاملة ورؤيته الإنسانية والحضارية. وقد غاب عن عديد من النخب الإسلامية هذه الرؤية الإسلامية لصالح الرؤية الموروثة والتقليدية، وهي رؤية تقليدية سائدة للإسلام، حولته إلى "إسلام فولكوري" غير قادر على مناقشة الفكر الفلسفي والسيسولوجي والعلمي القادم من الخارج، حسب قوله.

ويعتبر عناية الإسلام الأصولي، وتياراته المختلفة، ردة فعل على بعض النماذج الإسلامية السلطوية في بعض المجتمعات العربية، ما يوصم التيارات الإسلامية الأصولية بـ"نقص خطير يعجز عن صياغة رؤية إسلامية مستقلة منفصلة عن ردود الفعل". ورغم هذا النقص الخطير في تفكير وآليات الإسلام الأصولي وتياراته، فإنه يسعى إلى اختزال الإسلام في رؤيته وتوجهاته، وتهميش أي رؤية مغايرة للإسلام ورفضها في محاولة لاحتكار التيارات الأصولية فهم الإسلام.

ويفسر المؤلف أسباب الرؤية الاحتكارية للإسلام لدى التيارات الأصولية، بأنها تعود إلى طبيعة هذه التيارات منذ القدم في احتكار الفهم وادعاء امتلاك الحقيقة، والبيئة المتخلفة التي ما زالت تسيطر على العقل الإسلامي، منذ شيوع تراث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، التي تحاول تيارات الإسلام الأصولي إعادتها مجدداً، حتى تتمكن من السيطرة على المجتمعات الإسلامية، ولا تتوانى من أجل هذه السيطرة عن استخدام العنف والتدمير والتبرير لهما، حسب قوله.

المثقف العضوي

يُشدد عناية على أهمية دور المثقف في عملية النهضة الحضارية والحداثية، لكنه يُشكك في قدرة "المثقف التقليدي" في هذه العملية؛ لأنه أسير منظومة فكرية تقليدية لا تتناسب مع المتطلبات العصرية، إضافة إلى كونها السبب الرئيس في حالة التراجع الحضاري الذي يعاني منه العالم الإسلامي. وفي المقابل، فإنه يرى أن "المثقف العضوي" الذي يهتم بقضايا المجتمع وينخرط فيها، ويبحث عن أسبابها الفعلية وعن إيجاد حلول تتناسب معها، متسلح بأدوات معرفية وعلمية وثقافية حديثة ومصاعب، لكنه قادر على إحداث النهضة والحداثة للمجتمعات الإسلامية.

يوضح الكاتب وجود إشكالية بين "العقلانية" و"التراث" في العالم الإسلامي، ويتفاوت التعامل مع هذه الإشكالية وفقاً لتيارات فكرية مختلفة تدعو إلى القطيعة مع التراث واعتماد العقلانية الغربية بشكل كامل، وهناك تيارات فكرية أخرى ترى ضرورة إحياء التراث وتقديمه كبديل للعقلانية الغربية، وهناك تيارات ثالثة تسعى وتحاول التوفيق بين العقلانية الغربية وبين التراث وتسعى لتقديم قراءة نقدية للتراث، تضع في اعتباراتها المعطيات العصرية والتطورات الحديثة. إلا أنه يوضح أهمية التعامل مع التراث عبر التمييز بين الثابت والمتغير، عبر التعامل النقدي العقلي، حتى يمكن بناء منظومة فكرية إسلامية معاصرة قادرة على مواجهة الواقع والتحديات الحضارية، حسب قوله.

يدعو عناية إلى الإصلاح الديني الحقيقي، الذي يحتاج إلى تجديد حقيقي لعملية الإصلاح الديني، ما يتطلب فهماً عميقاً لمقاصد الشريعة وروحها ويتميز بالقدرة على الاجتهاد والإبداع، فيما يخص المتغيرات العصرية الحديثة، ويرفض ما وصفه بـ"محاولات الإصلاح الديني التلفيقي السطحي"، التي تقتصر على تحديث شكلي للخطاب الديني دون الاقتراب من جوهره، مشدداً على أهمية استناد أي عملية إصلاح ديني حقيقي على أسس علمية ومنهجية سليمة.

يرفض الكاتب، اعتبار الحداثة تهديداً للهوية الثقافية والدينية، ويدعو إلى حداثة نقدية يمكنها بناء نموذج حداثي وحضاري خاص بالأمة الإسلامية، يستفيد من جوانب الحداثة ويتجاوز سلبياتها، ويلفت الانتباه إلى ما تطرحه العولمة من تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية أمام العالم الإسلامي، الذي يجب أن يتعامل معها بوعي ومسؤولية في مشروعه الحضاري، الذي يحتاج فيه إلى تطوير آلياته بشكل يجعله قادراً على الاستفادة من الحداثة والعولمة وتجنب عيوبهما، حسب قوله.

وختاماً، يهدف عناية من كتابه "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" إلى إحداث تجديد حقيقي في الفكر الإسلامي، يكون قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة، دون قطيعة مع التراث الذي يجب قراءته قراءة نقدية مغايرة بأدوات علمية حديثة؛ وهذا التجديد يحتاج إلى تطوير المناهج السائدة في العالم الإسلامي والانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن أهمية الحوار مع الآخر المتمثل في الحضارة الغربية، ما يُسهم في التفاعل الحضاري وفهم الآخر والقدرة على التعامل والتكيف معه، لا سيما أن العقل الإسلامي قادر على التفاعل الإيجابي مع الآخر وتحقيق "الانبعاث الحضاري" وتجاوز "عوائق التحرر". 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة