"تأصيل الحداثة يعني أن يكون المجتمع قد انتقل فعلاً إلى واقع الحداثة، أما تحديث الأصالة فلا يعني سوى الطلاء الخارجي بألوان حديثة لمجتمع تعيش بنيته المكانية والفكرية حالات أقرب إلى ماضيه منها إلى حاضر العالم، وهذا ما نحن فيه حقيقة".
هكذا يصف المفكر السوداني، محمد أبو القاسم حاج حمد، حال أمة الإسلام في كتابه "القرآن والمتغيرات الاجتماعية والتاريخية"، الصادرة طبعته الأولى عن دار الساقي؛ إذ يشرح حاج حمد رؤيته عن صلاحية القرآن الكريم لكل زمان ومكان، ويتناول هذه الصلاحية من حيث علاقتها بإشكالية الثابت والمتغير، وكيف يمكن للنص أن يستوعب القضايا المستجدة، وأن يتفاعل مع المناهج الفكرية المعاصرة، ويستجيب للأنساق الثقافية المختلفة.
الماضي المعاصر
يقول حاج حمد في مؤلَّفه إن "تأصيل الحداثة" يعني أن يكون المجتمع قد انتقل فعلاً إلى واقع الحداثة، أما "تحديث الأصالة" فلا يعني سوى الطلاء الخارجي بألوان حديثة لمجتمع تعيش بنيته المكانية والفكرية حالات أقرب إلى ماضيه منها إلى حاضر العالم، وهذا ما نحن فيه حقيقة؛ موضحاً أن النمو والتطور ليس مجرد تراكم كمّي لمستجدات معاصرة تلحق ببناء المجتمع القديم، وإنما تحوّل كيفي في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي الفكرية؛ حيث تتكوّن شروط وعي تاريخ جديد ومغاير للنمط السابق عليه، فيستخدم معطياته الفكرية الجديدة لاستدعاء "أصالته"، وهذا ما يقود إلى تأصيل الحداثة.
ومشكلة الحركات الدينية المعاصرة، حسب المؤلف، كامنة في عجزها عن فهم المتغير الاجتماعي والتاريخي بطريقة علمية نقدية تحليلية، ليس بسبب في قصورها الذاتي، ولكن لأسباب تعود إلى نسبية فعل الحداثة في مجتمعاتنا المتخلفة، فكل ما تستطيعه الحركات الدينية بنهجها العام الراهن هو "إحداث مزيد من التشوهات في بنية هذا الواقع وتقوده إلى مزيد من الأزمات".
النقد القرآني
يقول حاج حمد إن القرآن العظيم، في مفهومنا، هو "مرجع كونيٌّ للوعي المعادل موضوعياً للوجود الكوني وحركته، بما يعني انسياب معانيه مع الصيرورة المندفعة أبداً باتجاه المستقبل، بحيث تتبدَّى قدرته دائماً على الإحاطة بالمتغيرات واستيعابه قوانينها الاجتماعية والتاريخية، ضمن صياغة كونية للمناهج المعرفية والعلمية المعاصرة واللاحقة".
بذلك يحيط القرآن العظيم، حسب الكاتب، بكل المتغيرات ويملك قدرات التداخل مع مختلف حقول المعرفة والثقافة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ويشرح حاج حمد أن التنزيل قد اتخذ طابع "التعيين" المحدَّد بالزمان والمكان؛ إذ تنزّل الوحي على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قبل أربعة عشر قرناً في غار حراء على أرض مكة المكرَّمة، بلسان عربي وللناس كافة.
ومن خصائص القرآن العظيم أنه تضمّن بشكل موسع ومفصل معالجة نقدية لكل الموروث الروحي المتعلق بالكتب السماوية السابقة، وتجارب النبوات المختلفة من آدم عليه السلام وإلى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؛ وقد عالج النقد القرآني المنظور التراثي البشري الذي أحاطت به المخيلات الخرافية والأسطورية بـ"ضلال متفاوت" في تلك الكتب والنبوات، فطهَّرها من التزييف واسترجعها لحقائقها التوحيدية، نافياً تأثير العقليات الوثنية.
وأوضح أن آدم عليه السلام في القرآن "غير آدم في المنظور التوراتي، وكذلك موسى وعيسى في الروايات الإنجيلية المتأخرة"، حسب قوله؛ مؤكداً أن القرآن قد مارس هذا النقد التراثي، ليس بغرض القطيعة مع التراث الروحي للبشرية، ولكن بقصد استعادة هذا التراث إلى حقيقته في مجرى التوحيد. بذلك وضَّح القرآن الكريم، حسب المؤلف، الفرق بين الأصل والإسقاطات الأيديولوجية البشرية التراثية عليه، التي حاولت إحاطته بما لديها من تصورات، "فشوَّهته" إلى حدود كبيرة، وبذلك يتقوّم القرآن العظيم، "ككتاب للبشرية جمعاء تُحاور من خلاله موروثها".
ويستنتج حاج حمد من ذلك أن القرآن الكريم بخطابيه، المسترجِع للماضي، والموجَّه إلى حاضر التنزيل، قد كوَّن القاعدة الفكرية والتطبيقية التي تستمد منها المتغيرات المستقبلية حاجتها من الفتاوى التي تقابل بها المستجدات عبر الاجتهاد، فنكون في وضع المجدّدين، وهو ما يخرجنا من التقييد زماناً ومكاناً في تعاملنا مع القرآن، بما يحقق مفهوم "الامتداد المستقبلي والتعامل مع المتغيرات".
جدل الصيرورة
يقول الكاتب بأنه من صيرورة الزمان والمكان، يمكن استنباط قواعد التحول والمتغيرات الاجتماعية والتاريخية، وبموجب هذه القواعد تتحدد الأهداف والوسائل، ومهمتنا أن نكتشف من داخل القرآن قواعد هذه الصيرورة، لنضع أيدينا بعد ذلك على طبيعة التحولات التي يجري في نطاقها التطور، من مرحلة التنزيل قبل أربعة عشر قرناً وصولاً إلى ظهور الحق عالمياً.
ويوضح أن حركات الصحوة تريد أن تحقق ما كان في الماضي بمنطق لا يأخذ بالمتغيرات، على تقدير أن الله سبحانه وتعالى سيُظهر دينه على الدين كله دون تفاعل مع جدل الإنسان والطبيعة، وهنا "مقتل حركات الصحوة المعاصرة"، فلو شاء الله لجعل ظهور الهدى ودين الحق أمراً مطلقاً من عنده ودون مقدمات تاريخية أو اجتماعية.
ويلخص حاج حمد المسار الديني الإسلامي في القرآن بأنه "خطاب عالمي إلى الناس كافة"، ويعتبر مرجعاً لكل أشكال الوحي المتقدم زمانياً عليه، وتعتمد فيه العلاقة مع الله على المدركات بقوى الوعي سمعاً وبصراً وفؤاداً، و"دون خوارق حسية"، وأن "التشريع يعتمد على التخفيف والرحمة، وأن يؤخذ بمنطق العفو والصدقة لا بمنطق التكفير".
ويشرح حاج حمد أن الخطاب الإلهي للمسلمين في القرآن قد جاء بصبغة عالمية وبمسؤولية عالمية كذلك، بما يعني أن الله سبحانه وتعالى يتعامل مع صيرورة المكان والزمان، ويلف بغيبه جدل الإنسان والطبيعة؛ فمفهوم التعامل مع المتغيرات هو مفهوم وارد في القرآن الكريم بحكم هذا السياق.
وحين نتعمق أكثر في "جدل الصيرورة" والمتغيرات، حسب المؤلف، نجد اختلافاً كبيراً في نهج الخطاب الإلهي لليهود، كمثال، عنه في نهج الخطاب الإلهي للمسلمين، فلكل مرحلة من مراحل الخطاب الإلهي المتفاعل مع المتغيرات شرعته ومناهجه، بما يوضح تفاعل الغيب مع جدل الواقع.
الرؤية القرآنية
يقول حاج حمد إنه بمقدور القرآن الكريم عطاءً، والمجيد ديمومةً، والمكنون معنىً، أن يتكشّف عن مفاهيم جديدة تقابل إشكاليات الواقع المتغير ومفاهيمه، فهذه خاصية أثبتها الله للقرآن، وأنه كما نكتشف في الأرض والفضاء الكوني نظريات جديدة بحكم تطور واختلاف مناهج وسبل معارفنا، كذلك فإن تطور مناهج النظر للقرآن من تحليل واستدراك وحدته المنهجية العضوية، يمكن أن تعطي منظورات جديدة؛ فالقرآن يماثل الكتاب الكوني، وكلما تغيرت مناهج البحث فيه تكشف عن مكنونات جديدة.
ويوضح حاج حمد أن ما يتكشف من مكنون القرآن وفق استخدامات المناهج المعرفية الجديدة لا يأتي بالضرورة متناقضاً مع التفسيرات والاجتهادات التي بلورها السَّلف الصالح، وإنما هذا الذي يتكشّف هو وجه آخر لنفس المسائل والإشكاليات، وهذه هي المرونة في كتاب الله لكل البشر والحضارات، ولا يكون حكراً على مفاهيم شمولية جبرية، ولا يوجد أي تعارض بين "ثبات" النص القرآني وبين "اختلاف" المفاهيم للنصوص نفسها تبعاً لاختلاف مناهج البحث والمعرفة من جهة، وتبعاً لتناول الكتاب في وحدته العضوية المنهجية من جهة أخرى.
ويشرح حاج حمد أن الغائب الأكبر في الفكر الديني يرجع إلى عجزه عن الوصول إلى المنهج الكوني الذي يعطيه الوعي القرآني، ليضع ضمنه قياساً وتدقيقاً واختباراً للمنظورات الكونية كافة. ومن هنا يأتي التخبط والعجز، وتأتي التوفيقية التبريرية والتوفيقية التعسفية، ومن هنا يتحول الدين إلى وعظيات خطابية، تزهق روح الإبداع، وتحنّط علاقة الإنسان بالحياة، وتقوده خارج العصر، حسب المؤلف.
وختاماً، يقول حاج حمد إن القرآن قابلٌ -بحكم منهجيته الإلهية- للتعامل مع صيرورة المتغيرات الاجتماعية والتاريخية، طبقاً لوحدته البنائية والعضوية، بما يتجاوز مرحلة التعيين التاريخي، وهذا مكنون مستقبليته؛ ثم إنه قابل للتفاعل مع كل مناهج المعرفة والحقول الثقافية البشرية، والمطلوب هو إثبات ذلك موضوعياً، ومن داخل القرآن، بما يدحض النظرة السكونية إلى آياته.