هذا الكتاب، "الكتاب والقرآن.. قراءة معاصرة"، هو باكورة إنتاج الباحث والمفكر السوري محمد شحرور، الصادر عن دار الأهالي بدمشق، وتمت طباعته في عام 1992، وتوالت بعد ذلك طبعاته حتى تجاوزت "عشر طبعات"، وهو من الكتب القليلة جداً في المكتبة العربية التي وصل عدد طبعاتها إلى هذا العدد.
في هذا الكتاب، يُقدم شحرور قراءة جديدة للكتاب والقرآن، ويعنونها بـ"قراءة معاصرة"؛ محاولاً بذلك تقديم قراءة مغايرة عن تلك القراءات التي سبقت، لما بين دفتي المصحف الشريف. وقد اعتمد شحرور في ذلك على "التلازم بين اللغة والتفكير" مُنكراً ظاهرة "الترادف" في اللسان العربي، متابعاً في ذلك عدداً من كبار علماء العربية، مثل: ابن فارس وأبو علي الفارسي.
الكتاب والقرآن
ينطلق شحرور، عبر رفض مقولة الترادف في اللسان العربي، من أن لفظتي الكتاب والقرآن غير مترادفتين، بل تحمل كل منهما معنى مغايراً لما تحمله الأخرى من معنى. وقد وصل إلى هذه النتيجة من خلال فهم جديد قدمه لمعنى "ترتيل القرآن".
فالمعنى السائد للترتيل هو التأنق في تلاوة القرآن؛ وكما أشار الزمخشري في مادة "ر ت ل" أن "معنى قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلاً﴾ [المزمل: 4]، إذا أحسن تأليف حروفه، وهو يسترسل في كلامه ويترتل". لكن الباحث، شحرور، استند إلى الأصل اللغوي لمادة "ر ت ل"، الذي يُشير إلى أن "رتل الشيء نسقه ونظمه"؛ مؤكداً أن ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلاً﴾ الواردة في سورة المزمل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ٭ قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٭ نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلاً ٭ أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلاً ٭ إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 1-5]، لا تعني التأنق في التلاوة.
وقد استشهد على ذلك بالآية: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 5]؛ مُشيراً أن ما جاء في الآية لا يرتبط من قريب أو بعيد بالتأنق في التلاوة. ومن ثم، وانطلاقاً من هذا الفهم الجديد لمفهوم "الترتيل"، قام الباحث بجمع (ترتيل)؛ جميع الآيات التي وردت بها لفظة "قرآن"، وجميع الآيات التي وردت بها لفظة "كتاب"، موضحاً كيف أن هناك فارقاً بينهما من حيث المعنى.
ومن خلال تدبر مآلات آيتي سورة البقرة، يوضح شحرور أنه في قوله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]؛ فقد قال تبارك وتعالى "هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ" عندما تم ذِكر الكتاب.. في حين أنه قال "هُدٗى لِّلنَّاسِ" عندما تم ذِكر القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ...﴾ [البقرة: 185]. ولذلك يؤكد أن "لفظة الناس تشمل المتقين وغير المتقين، فالمتقون من الناس ولكن ليس كل الناس من المتقين"؛ ومن ثم، يصل إلى استنتاج مؤاده: "هذا وحده يوجب أن نميز بين الكتاب والقرآن".
الذِّكر والفرقان
بعد أن يصل شحرور إلى التفرقة بين الكتاب والقرآن، ينتقل إلى محاولة تبيان الفارق بين القرآن وكل من الذِّكر والفرقان. إذ عبر تأمل الآية الأولى من سورة "ص"، نعني قوله عزَّ وجل: ﴿صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ﴾ [ص: 1]، يؤكد أن الربط بين القرآن والذكر إنما يتم عبر الأداة "ذِي"؛ وهذه الأداة "تستعمل للدلالة على صفة الشيء، لا على الشيء نفسه؛ كقوله تعالى ﴿وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ﴾ [الفجر: 10].. ففرعون شيء والأوتاد شيء آخر؛ وكذلك الحال بالنسبة إلى ﴿ٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ﴾، فالقرآن هو الموصوف والذكر هو صفة هذا القرآن"، حسب قوله.
أما بالنسبة إلى الفرقان، فينطلق شحرور من آية سورة البقرة [185]، نعني قوله عزَّ من قائل: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ...﴾، ليصل إلى أنه "بما أن الفرقان جاء معطوفاً على القرآن، لذا فإن الفرقان غير القرآن، وهو جزء من أم الكتاب (الرسالة)، وأُنزِل ونَزَل في رمضان"، حسب قوله.
الشريعة والتشريع
ومن بين المواضيع المحورية في الكتاب هو التمييز، الذي يضعه شحرور، بين كثير من المفاهيم، من بينها "الشريعة" و"التشريع"؛ إذ يعتقد شحرور أن الشريعة هي القواعد الأخلاقية والقيمية العامة التي لا تتغير، مثل العدل والحرية، بينما التشريع هو القوانين التي تتغير وتتطور بحسب الزمن والمكان. ويشير إلى أن التشريعات الفقهية التي وضعها الفقهاء في القرون الماضية، هي تشريعات تخص تلك الأزمنة وليست ملزمة للمسلمين في العصر الحديث؛ وبالتالي، يدعو إلى مراجعة التشريعات القديمة ووضع قوانين جديدة تناسب العصر الحديث، بشرط أن تتفق مع القيم العامة للشريعة؛ مؤكداً أن "التشريع الإسلامي، هو تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله".
وفيما يتعلق بالقيم التشريعية، يقدم شحرور قراءة جديدة للأحكام الشرعية في الإسلام؛ حيث يرى أن الشريعة الإسلامية ليست مجموعة من القوانين الثابتة التي لا تتغير، بل هي نظام مرن يتكيف مع تغير الأزمان والأماكن. ويوضح أن القيم التشريعية تشمل تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهي تتعلق بالحدود، والمواريث، والأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية والزواج والطلاق.
ويُشير شحرور إلى أن هذه الأحكام جاءت في القرآن بطريقة تجعلها قابلة للتطوير والتكيف، وفقاً لظروف كل مجتمع. ويطرح قضية "الاجتهاد" في الفقه الإسلامي كأداة لتحديث التشريع، بما يتناسب مع احتياجات المجتمع المتغيرة. ومن ثم، يرفض الفهم الحرفي للنصوص ويؤكد ضرورة فهم المقاصد العامة للشريعة لتحقيق العدالة والرحمة.
ومن بين القضايا المهمة التي يُثيرها شحرور في هذا الكتاب، أيضاً، قضية حقوق المرأة؛ حيث يتناول هذه القضية من منظور قرآني، مُعارضاً الفهم التقليدي القائل بتفوق الرجل على المرأة؛ وموضحاً أن العديد من الأحكام التي يعتقد أنها "تحط" من مكانة المرأة ليست أحكاماً قطعية من الله، بل هي نتيجة لتفسيرات فقهاء عصور سابقة.
الوحي والعقل
يتطرق شحرور كذلك إلى مسألة الحرية الدينية، ويعتبرها من الأسس التي قام عليها الإسلام؛ وبالتالي يرفض فكرة الإكراه في الدين، ويستشهد بالآية ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ...﴾ [البقرة: 256]، ليؤكد أن الإيمان بالله ورسالاته يجب أن يكون عن قناعة واختيار شخصي. كما يدعو إلى حماية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة، مؤكداً أن الإسلام كدين عالمي لا يتناقض مع التنوع الديني والثقافي.
كذلك يعطي أهمية كبيرة لدور العقل في الدين، ويرفض التسليم الأعمى بالتفسيرات السابقة، ويشدد على ضرورة استخدام العقل في فهم النصوص الدينية. ويذهب شحرور إلى أن الوحي الإلهي لا يمكن أن يتعارض مع العقل والمنطق، وأن كل ما لا يتفق مع العقل البشري يجب إعادة النظر فيه؛ مؤكداً أن العلاقة بين الدين والعلم يجب أن تكون علاقة تكاملية؛ حيث يمكن للنصوص الدينية أن تُفسر في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة.
بناءً على ذلك، يركز شحرور على الآيات القرآنية التي تؤكد على حفظ كرامة الإنسان، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]. ومن هنا، يستنتج أن الإسلام جاء ليعزز من حقوق الإنسان ويدافع عن حريته وكرامته.
وختاماً، يدعو شحرور في هذا الكتاب إلى قراءة جديدة ومعاصرة لآيات التنزيل الحكيم؛ حيث يرى أن الفهم التقليدي اعتمد على ظروف مجتمعات بعينها في عصور سابقة، مما يوجب إعادة تفسير القرآن بشكل يتماشى مع التطورات الاجتماعية والعلمية الحالية. ويطرح شحرور أن القرآن يمكن فهم معانيه في ضوء التطورات العلمية والفكرية، من حيث إن النص القرآني يتوجه لكل الأزمان، ومن ثم يجب أن يُفهم بحسب السياقات الزمنية.
رغم ذلك، أو بالرغم مما قدمه شحرور في هذا الكتاب من قراءة معاصرة وجديدة للتنزيل الحكيم، فإن هناك بعض الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى الكتاب، والقضايا التي تم طرحها فيه.. يكفي، كمثال، أن نُشير إلى قضية الاستخلاف، استخلاف آدم ونسله لتعمير الأرض، التي لم يأتِ شحرور على ذكرها في الكتاب، وكان من أثرها أن أطلق قاعدة غير صحيحة بأن "آدم خليفة الله في الأرض"، وهو قول مردود عليه من آيات الله البينات في قرآنه الكريم.