المجتمع والدولة:

مفهوم جديد للتعايش على أساس المواطنة

مركز حوار الثقافات

17-12-2024

"ليس هناك مفاهيم أو مقولات ثابتة المعنى وأبدية، إنما تأخذ دلالات ومعاني جديدة ومتجددة، كلياً أو جزئياً، حسب المناخ الاجتماعي الذي يُحيط بها"؛ وبالتالي، فإن "كل ثورة فكرية تبدأ من تحرير المفاهيم من سياقاتها الماضية، ودمجها في سياقات وإشكاليات جديدة". بناءً على هذه العبارة، يبدأ المفكر السوري، رحمه الله، محمد شحرور، كتابه "المجتمع والدولة"، الصادر عن دار الأهالي في دمشق، عام 1994.

والواقع أن هذا الكتاب يُعتبر من الكتب المهمة التي تحاول إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، في إطار فهم جديد للإسلام يتماشى مع مفاهيم العصر الحديث. شحرور في هذا الكتاب يتناول قضايا معقدة تتعلق بالسلطة، والحرية، والحقوق، ودور الدولة في الإسلام؛ ويحاول، من خلال هذا الكتاب، تقديم قراءة معاصرة تعتمد على منهجه التأويلي الذي يعيد النظر في النصوص الدينية وفقاً لتطورات المجتمع والدولة الحديثة.

الدولة والسلطة

من أهم القضايا التي يتناولها شحرور، في الكتاب، هي قضية الدولة في الإسلام، وهو يرفض المفهوم التقليدي للدولة الإسلامية، كما صاغه الفقهاء في العصور الوسطى، ويعتبر أن الدولة ليست كياناً دينياً بقدر ما هي تنظيم سياسي واجتماعي يخدم مصالح الأفراد. وفقاً لشحرور، فإن الإسلام لا يقدم نموذجاً محدداً لنظام حكم، بل يترك ذلك لتطور المجتمع؛ فالدولة في الإسلام، كما يراها شحرور، يجب أن تقوم على أساس العدالة والحرية، وليس على حكم ديني ثيوقراطي، حيث يرى أن "الفصل بين الدين والدولة ضرورة" لتحقيق تطور المجتمعات الحديثة.

ويُقدم شحرور تعريفاً لـ"الدولة" مفاده أن الدولة "هي أداة للتعبير عن واقع يعيشه شعب ما (يحتوي على قوميات وأمم، أو قومية واحدة وأمة واحدة، أو قومية واحدة وأمم متعددة، وقوميات متعددة وأمة واحدة)، من خلال مؤسسات".

وعن القومية، يوضح شحرور بأنها "صفة ملازمة لتجمع من الناس العاقلين، وأن هذا التجمع لا يوجد بدون اتصال وأداة تفكير هي اللغة". أما الأمة، بحسب شحرور، فهي "مجموعة مخلوقات عاقلة من الإنس لها سلوك موحد، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ...﴾ [البقرة: 213]؛ أو من الإنس والجن، كما في قوله سبحانه: ﴿قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ...﴾ [الأعراف: 38]؛ أو مخلوقات غير عاقلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ...﴾ [الأنعام: 38]..."، حسب قوله.

ثم يعرج الكاتب على مفهوم السلطة السياسية في الإسلام، من خلال فهم جديد للشرعية؛ ويوضح أن الشرعية في الحكم لا تأتي من الدين بحد ذاته، بل من رضا الشعب وتحقيق العدل. ويرى أن الحكام في الدول الإسلامية القديمة استخدموا الدين كأداة للشرعية السياسية، مما أدى إلى تحريف النصوص الدينية لخدمة مصالح السلطة. ومن هنا، يدعو شحرور إلى إعادة تعريف الشرعية السياسية على أساس القانون والمواطنة، بعيداً عن استخدام الدين كأداة سياسية. 

وفي هذا الإطار، يعتبر أن الديمقراطية والشورى هما شكلان من أشكال الحكم، يمكن أن ينسجما مع القيم الإسلامية إذا ما تم تطبيقهما بشكل يتماشى مع حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

الحريات والحقوق 

من القضايا الرئيسية التي يناقشها شحرور في الكتاب هي قضية الحريات والحقوق الفردية في الدولة الحديثة؛ حيث يرفض الفهم التقليدي الذي يقيد الحريات باسم الشريعة أو الدين، موضحاً أن الإسلام جاء لتحرير الإنسان وليس لتقييده، وأن الحرية هي إحدى القيم الأساسية التي يجب أن تحترمها أي دولة. ويدافع عن حقوق الأفراد في حرية التعبير والمعتقد والتنقل، ويعتبر أن الدولة الحديثة يجب أن تكون دولة حقوق وقانون، وليست دولة تفرض تصورات دينية أو أخلاقية معينة على الأفراد؛ مُشيراً إلى أن الحريات الشخصية جزء من القيم القرآنية التي دعت إلى التسامح والعدالة.

ومن ثم، يعتبر شحرور العدل والمساواة أساساً لأي دولة حديثة تقوم على المبادئ الإسلامية؛ لذا، يرفض أي نظام سياسي أو اجتماعي يقوم على التمييز بين الأفراد، على أساس الجنس أو الدين أو العرق، مُشدداً على أن الإسلام يدعو إلى المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، ويرى أن التمييز الذي مارسه بعض الفقهاء في تفسيرهم للنصوص الدينية يخالف الروح الحقيقية للإسلام. 

وفي إطار الحريات والحقوق، يطرح شحرور في هذا الكتاب فهماً معاصراً لمفهوم الشورى في الإسلام؛ حيث يرى أن الشورى ليست مجرد نصيحة أو رأي يقدم للحاكم، بل هي أساس للديمقراطية والمشاركة السياسية. كما يرفض الفهم التقليدي الذي يقصر الشورى على فئة معينة من الفقهاء أو العلماء، ويشدد على أن جميع أفراد المجتمع لهم الحق في المشاركة في العملية السياسية، بما في ذلك النساء والأقليات.

المجتمع والدولة

في هذا الكتاب، يعيد شحرور النظر في العلاقة بين المجتمع والدولة من خلال تقديم نموذج جديد للتعايش بين السلطة والشعب؛ إذ يرى أن الدولة ليست كياناً مفروضاً على المجتمع، بل هي نابعة من حاجات المجتمع لتأمين الأمن والحقوق والعدالة. الدولة في الإسلام، كما يراها شحرور، ليست دولة دينية، بل دولة قانونية تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع؛ كما يشير إلى أن المجتمع يجب أن يكون شريكاً في صنع القرار السياسي والاجتماعي.

بناءً على ذلك، يطرح شحرور قضية مهمة، هي دور المرأة في المجتمع والدولة؛ حيث يرى أن المرأة يجب أن تكون شريكاً كاملاً في الحياة السياسية والاجتماعية، وأن التمييز الذي مارسته بعض التفسيرات الفقهية ضد المرأة لا أساس له في النصوص القرآنية. ويدافع شحرور عن حق المرأة في المشاركة في العمل السياسي والاقتصادي، ويعتبر أن الدولة الحديثة يجب أن تكون دولة مساواة تضمن حقوق المرأة كما تضمن حقوق الرجل. 

ويعالج الكتاب أيضاً موضوع دور الدين في الدولة؛ حيث يرى شحرور أن الدين يجب أن يكون جزءاً من الحياة الشخصية للأفراد، وليس أداة لتسيير شؤون الدولة، مؤكداً أن الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه جميع الأديان والمعتقدات، وأن العلاقة بين الدولة والدين يجب أن تقوم على مبدأ الفصل بينهما. فالدولة في الإسلام، بحسب شحرور، ليست دولة دينية بل دولة حقوق وقانون، تضمن للجميع الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية دون فرض أي توجه ديني على المجتمع ككل.

وختاماً، لم يخلُ كتاب "المجتمع والدولة"، كما هو الحال مع معظم أعمال محمد شحرور، من النقد والجدل؛ فالبعض يرون أن أفكار شحرور تشكل تحدياً للتفسيرات التقليدية للإسلام، وقد تؤدي إلى تفكيك بعض المبادئ الدينية الأساسية. ومع ذلك، يجد آخرون في أفكاره دعوة إلى التجديد والإصلاح في فهم الدين والدولة، ويعتبرونه من الأصوات التي تسعى إلى التوفيق بين الدين ومتطلبات العصر الحديث.

ورغم أن شحرور قدم مفهوماً عاماً للأمة وللقومية، وأخرج "الأرض" من مفهوم الأمة، اعتماداً على مسألة اللغة، وهي مسألة غير صحيحة على إطلاقها؛ رغم ذلك، ورغم عديد من الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى القضايا التي تناولها الكتاب، فإن محمد شحرور يقدم في كتابه "المجتمع والدولة" رؤية جديدة لعلاقة الدين بالدولة والمجتمع، تعتمد على قيم الحرية والعدالة والمساواة.. إذ يسعى من خلال هذا الكتاب إلى إعادة تعريف مفاهيم السلطة والشرعية والحقوق في الإسلام، بطريقة تتماشى مع متطلبات العالم الحديث.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة