انتصار الإسلام:

الهجرة والتحول النوعي في بنية الرسالة

مركز حوار الثقافات

11-09-2025

يأتي كتاب "مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام" ليُشكّل المحطة الختامية، في المشروع الفكري الكبير الذي أنجزه المؤرخ والمفكر التونسي هشام جعيط حول السيرة النبوية. فبعد أن تناول في الجزء الأول "الوحي والقرآن والنبوة" (1999)، الأسس الأولى لتجربة النبوة من حيث طبيعتها الغيبية والقرآنية؛ ثم في الجزء الثاني "تاريخية الدعوة المحمدية" (2007)، مرحلة مكة وما انطوت عليه من مخاضات فكرية ودعوية وتاريخية، ينتقل في هذا الكتاب الثالث إلى مرحلة المدينة، حيث تتحوّل الرسالة من تجربة دعوية مضطهدة إلى مشروع جماعة "سياسية – دينية"، تتجذر في الواقع وتبني كياناً تاريخياً جديداً. 

ومن ثَم، فإن هذا الجزء يمثل ذروة الثلاثية، لأنه يتناول لحظة "التجسيد التاريخي الكامل" للنبوة، حين يتلاقى الوحي مع السياسة، والدين مع الاجتماع، والروحانية مع القوة المادية.

التحول النوعي

في هذا الكتاب، الذي صدر عن دار الطليعة في عام 2016، لا ينظر جعيط إلى الهجرة باعتبارها مجرد حدث جغرافي أو انتقال فيزيائي من مكة إلى المدينة، بل باعتبارها "تحولاً نوعياً" في بنية الرسالة: من "دعوة" إلى "دولة". فالمدينة، بما تتيحه من تنوع قبلي وديني وسياسي، وبما تفرضه من تحديات في التعايش مع اليهود والأوس والخزرج والمهاجرين، شكلت مسرحاً مركزياً لاختبار قدرة الرسالة على التحول، من خطاب إيماني إلى مشروع مجتمعي متكامل. 

وهنا، يبرز جعيط بقراءته "التاريخية – النقدية" الدقيقة، حيث يتتبع كيف استطاع النبي محمد عليه الصلاة والسلام أن يؤسس عقداً اجتماعياً جديداً، يتجاوز العصبية القبلية ويؤسس لفكرة الأمة الجامعة على أساس العقيدة، لا النسب.

أهمية هذا الكتاب تكمن، أيضاً، في أنه يقدّم صورة مركبة للنبي: فهو ليس فقط نبياً مبلّغاً للوحي، بل أيضاً قائداً سياسياً وعسكرياً ورجل دولة قادراً على خوض الصراع وإدارة التحالفات. ومن ثم، يطرح جعيط أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين "المقدس والتاريخ": هل يمكن النظر إلى الانتصارات التي تحققت في بدر وأحد والخندق والحديبية باعتبارها محض تدبير تاريخي.. أم أنها تعبير عن إرادة غيبية متجلية في الواقع (؟). 

يعتمد جعيط منهجاً صارماً في تحليل مصادر السيرة؛ إذ ينقّب في المرويات الإسلامية التقليدية ويقارنها بالمعطيات التاريخية والأنثروبولوجية، في محاولة لفهم كيف تشكّل النص التاريخي ذاته. لكنه، على خلاف بعض المستشرقين، لا يسعى إلى تفريغ الظاهرة من بعدها الروحي، بل يحافظ على إدراك أن قوة الرسالة لا تفسَّر فقط بالسياسة أو بالعسكر، وإنما أيضاً بالعمق الإيماني الذي ألهم الجماعة المؤمنة، ومنحها القدرة على التضحية والصمود.

انتصار الإسلام

إذا كان الجزء الأول، من ثلاثية جعيط، قد تناول اللحظة الروحية الأولى للوحي، والجزء الثاني قد درس سياق الدعوة المكية وصمودها أمام قريش؛ فإن هذا الجزء الثالث يركز على المرحلة المدنية، التي شهدت تحول الإسلام من دعوة مضطهدة إلى دولة ناشئة، ثم إلى قوة منتصرة.

- المدينة فضاء جديد للتاريخ:

يرى جعيط أن الهجرة إلى يثرب لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل "منعطف تاريخي". فالمدينة كانت بيئة اجتماعية مغايرة لمكة: مجتمع زراعي متنوع، يضم الأوس والخزرج، واليهود بقبائلهم، إضافة إلى المهاجرين القادمين من مكة. هذا التنوع جعل من تأسيس مجتمع إسلامي تحدياً كبيراً، لكنه في الوقت نفسه فتح أفقاً جديداً لتجسيد الرسالة.

في مكة كان النبي زعيماً لجماعة مضطهدة، أما في المدينة فقد صار "قائداً سياسياً" مطالباً بتنظيم الحياة اليومية للجماعة، وحماية وجودها، وبناء شرعية جديدة. وهنا، يبرز ما يسميه جعيط "عبقرية النبوة في التأسيس": القدرة على الانتقال من مرحلة الاضطهاد إلى مرحلة التنظيم والدولة.

- صحيفة المدينة عقد اجتماعي:

يتوقف جعيط مطولاً عند ما يُعرف بـ"صحيفة المدينة"، أو "دستور المدينة"، الذي اعتبره نصاً تأسيسياً لتنظيم العلاقة بين المسلمين (مهاجرين وأنصار)، وبين اليهود وبقية سكان المدينة. في نظره، هذا النص يمثل أحد أقدم محاولات صياغة "عقد اجتماعي" في التاريخ الإسلامي، بل والعالمي.

فالصحيفة لم تقم فقط على رابطة الدين، بل أيضاً على مفهوم "الأمة" كجماعة "سياسية - دينية" لها حقوقها وواجباتها، مع اعتراف بالتعدد الديني (خصوصاً اليهود). ومن ثم، يلمح جعيط إلى سبق تاريخي للنبي محمد في صياغة نموذج للتعايش ضمن مجتمع متعدد، وإن كان هذا النموذج قد واجه تحديات وصراعات لاحقاً.

- التحديات الداخلية والخارجية:

يحلل جعيط بدقة طبيعة التحديات التي واجهها النبي في المدينة:

٭ تحديات داخلية: وجود فئة المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام بينما كانوا على صلة بمكة أو بأطراف أخرى؛ إضافة إلى التوتر مع بعض القبائل اليهودية (بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة)، الذي انتهى بصدامات حادة. يرى جعيط أن هذه الصراعات لم تكن مجرد خلافات دينية، بل مرتبطة بتوازنات السلطة والمصالح الاقتصادية.

٭ تحديات خارجية: المواجهة مع قريش، التي لم تتوقف عن محاولة القضاء على الجماعة الإسلامية الناشئة. هنا، يدخل جعيط في تحليل معارك بدر وأحد والخندق، ثم الصلح مع قريش في الحديبية، وأخيراً فتح مكة.

• بدر: لحظة انتصار مفصلي، أعطت المسلمين ثقة كبرى ورسّخت شرعية النبي.

• أحد: هزيمة جزئية، لكنها كشفت عن ضرورة الانضباط والولاء.

• الخندق: معركة دفاعية، برهنت على وعي استراتيجي بتحويل التهديد إلى فرصة.

• الحديبية: اتفاق سياسي ذكي، فتح الطريق أمام الاعتراف بالإسلام قوة شرعية.

• فتح مكة: التتويج التاريخي لمسيرة الدعوة، حيث تحولت الجماعة من الدفاع إلى السيطرة على المركز.

في كل هذه الأحداث، يقرأ جعيط النبي لا فقط كقائد عسكري، بل كزعيم يمتلك "حساً سياسياً استراتيجياً"، قادراً على تحويل الهزائم إلى فرص، والانتصارات إلى أدوات لترسيخ مشروعه.

- تطور التشريع والقرآن المدني:

من أبرز محاور الكتاب تحليل جعيط لتطور النص القرآني في المرحلة المدنية. في مكة كان الخطاب القرآني يغلب عليه الطابع الروحي والأخلاقي والتوجيهي العام، أما في المدينة فقد بدأ يتخذ بعداً تشريعياً عملياً: أحكام الأسرة، الميراث، العلاقات الاقتصادية، الحرب والسلم.

هذا التحول يعكس، كما يرى جعيط، انتقال الإسلام من مجرد رسالة وعظية إلى "نظام اجتماعي كامل". فالقرآن المدني لم يكتف بتقديم مبادئ أخلاقية، بل أسس لنظام قانوني ينظم حياة الجماعة الناشئة، ويمنحها مقومات البقاء والديمومة.

وهكذا، Bottom of Formلا يكتفي هشام جعيط بسرد أحداث المرحلة المدنية، وما حملته من غزوات وتحالفات وصراعات، بل يسعى إلى إبراز معناها التاريخي والوجودي في آن واحد. فالمدينة لم تكن مجرد محطة عابرة في مسيرة الإسلام، بل هي اللحظة التي تشكّلت فيها "الأمة الجديدة"، حيث تجاوز المسلمون منطق القبيلة والعصبية نحو رابطة عقدية جامعة. وبالتالي، فإن الانتصار الذي يتحدث عنه العنوان لا يُختزل في غلبة عسكرية أو سياسية، بل في "تحقق مشروع حضاري – ديني"، استطاع أن يمنح جماعة صغيرة وُلدت في مكة القدرة على أن تتحول إلى قوة تاريخية فاعلة.

وختاماً، ما يميز مقاربة جعيط أنه لا يقرأ هذه اللحظة بعين التمجيد وحدها، ولا بعين النقد التفكيكي الصارم، بل يوازن بين المستويين: فيرى في انتصارات النبي محمد عليه الصلاة والسلام ثمرة حنكة سياسية وحسن تدبير واقعي؛ وفي الوقت نفسه، استجابةً لرسالة دينية أضفت على مشروعه معنى يتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه يقدّم النبي باعتباره "شخصية مركبة": نبيّاً يتلقى الوحي، وقائداً عسكرياً يضع الخطط، ومؤسساً سياسياً يسنّ القوانين، ورجل دولة يفاوض ويصالح. بهذا التصوير، يحرر جعيط السيرة من القراءة الأحادية، ليمنحها عمقاً إنسانياً يجعلها قابلة للفهم من زوايا متعددة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة