في كتابه "تراث وحداثة: قراءة للفكر العربي الحالي"، يحاول المفكر اللبناني بولس الخوري (1921 - 2021م)، تفكيك البنى المعرفية التي تعوق تطور المجتمعات العربية، وفهم الواقع الثقافي؛ إذ يرى أن نقد الفكر العربي يجب أن يبحث في التحولات الثقافية واتجاهاتها الحديثة، ويشدد على أهمية انعتاق التفكير العربي المُعاصر من "الذهنية الأسطورية"، ويدعو إلى التمسك بالعقلانية النقدية المتجددة، ويعرض للتناقضات الداخلية التي تواجهها بعض النُخب العربية في تعاملها مع الحداثة، التي يطالب بتحقيقها عبر إعادة بناء الهوية وفق منطق عقلاني، يرفض الجمود واستنساخ النموذج الغربي للحداثة.
الوحدة الثقافية
يسعى الخوري إلى تفكيك المشكلات الفكرية أمام العرب، ويُطالب بدراسة وتوضيح آليات التجاوب العربي مع الحداثة، ويرى أن أي فهمٍ للفكر العربي المعاصر لا بدّ أن يمرّ بمحورَيْن متكاملَيْن، هما: إشكاليّة التحوّل الثقافي، واتجاهات الفكر العربي الراهن. ويُعرف مفهوم التحول الفكري بأنه انتقال من "ذهنية قائمة على القداسة والأسطرة -الأسطورة- إلى ذهنية عقلانية قادرة على ضبط الواقع وتغييره".
والتحول، في رأيه، ليس تبديل الأشكال فقط، بل هو عملية "استيعاب جوهري للعقلانية تُقاس بنسب المشاركة الاجتماعية في الإبداع"، وهو عملية مرهونة بقدرة المجتمع من حالة الخوف أو "التخاف" إلى حركة التقدم، ويشدد على أهمية العقلانية لتفكيك الأسطرة ونزع القداسة عن البُنى الاجتماعية وإخضاعها لجدل منطقي مُتجدد، وفقاً لقوله.
يؤكد الكاتب على وجود وحدة ثقافية عربية، إلا أنها وحدة مشروطة، ويثبت وجود ما يصفه بـ"النواة الثقافية المشتركة"، التي ترتكز على اللغة العربية الفصحى والإسلام كحاضنة تاريخية للمعنى؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، يؤكد وجود خصوصية جغرافية ودينية في العالم العربي، ويوضح حقيقتين فيما يخص الوحدة الثقافية العربية، هما:
- عامل الوحدة: ويتمثل في اللغة العربية والتراث المُشترك.
- عامل الاختلاف: ويتضح في التجزئة السياسية وبُنى الدول المتعددة في العالم العربي.
يقول الخوري إن التاريخ العربي شهد انتصارات وإخفاقات في سبيل الوحدة، ما يجعل "الفيدرالية العربية" حلاً واقعياً، يوازن بين السيادة القطرية والتطلع القومي العربي.
الثقافة والحداثة
يوضح المؤلف أن أمام العالم العربي "قضايا مُلحة" أهمها التحرر السياسي والتنمية الاقتصادية وبناء الدولة الوطنية؛ فالعالم العربي يُعاني من عقدة التبعية، التي تقف عائقاً أمام محاولات التحرر التي تقف في مواجهة مزدوجة، ضد الاستعمار الخارجي وهيمنته، والبُنى الداخلية "العتيقة"، ويؤكد رفضه حالة التبعية التي تجعل قرارات التنمية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التنمية الاقتصادية، مرتهنة بقوى خارجية تحول دون تأسيس نهضة وطنية مستقلة، حسب قوله.
وينظر الخوري إلى الثقافة العربية، ويرى أنها مفهوم يُشكل "مجمل إنتاجات الأنشطة الجماعية"؛ ويضع ثلاثة نماذج حاولت فيها الثقافة العربية خوض تجربة الحداثة والدخول في سياقاتها، وهي:
- نموذج الانبهار بالغرب: ويرى أنه ظهر جلياً بعد الصدمة الحضارية التي سببتها حملة نابليون بونابرت على الشرق.
- نموج الرفض الدفاعي: ويتمثل في رفض الحضارة الغربية، وما يستتبعه من انقطاعٍ ثقافي وانكفاء على التراث والتحصن به ضد العلوم والمفاهيم الوافدة.
- نموذج التأصيل الانتقائي: والذي يتمثل في محاولات دمج عناصر الحداثة في بنيةٍ عربيةٍ أصيلة.
وينتقد الكاتب، ما وصفه بالتغريب المتمثل في النقل الحرفي للنمط الغربي من الحداثة بحذافيره، دون نقد أو تكييف عبر صهر المضامين العلمية الغربية في قالب لغوي ثقافي عربي، ودون تقديم أي نقد أو مراعاة للطبيعة العربية ومتطلباتها.
الفكر العربي
يُطالب الخوري بنزع القداسة عن البُني الاجتماعية والفكرية، مع إعادة صياغتها على أسس عقلانية وقانونية، ويذهب إلى أن العقلانية العربية تتجلى بشدة في مجالات الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفق تفاوت جوهري يظهر في الاختلاف والتباين حول احترام قيم الحرية والإبداع في المجالات المختلفة السابقة وفق استفادتها من قيم العقلانية؛ موضحاً أن المجتمعات العربية تعاني من تنازع مستمر بين "العودة إلى الماضي الذهبي"، وبين "استيعاب العلم والتقنيات الحديثة".
ويُرجع هذا التنازع بين الماضي والعلم الحديث إلى "الصدمة الحضارية التي سببها الاستعمار"، الأمر الذي أدى إلى "توليد" ثلاث استجابات مختلفة لهذه الصدمة هي "السلفية والإصلاحية والعصرية".
وينادي الخوري بضرورة ممارسة النقد على العقل والثقافة العربية، ويحذر من "سذاجة التصنيفات" للأنماط الفكرية العربية، ويذهب إلى أن الاتجاهات الفكرية جميعها دون استثناء تلتقي عند نقطةٍ جذريّة تمثل أزمة التحول الثقافي واختلاف الاتجاهات الفكرية، ما يظهر واضحاً في إجابة سؤال الحداثة. ويري أن "الفكر العربي" يعاني من "ثلاثية مزدوجة ضاغطة" هي "التخلف والتحرر"، و"التبعية والتنمية"، و"التجزئة وبناء الدولة".
ويرى أن هذا الفكر تعامل مع هذه الثنائيات الضاغطة وفق حالات ذهنية ثلاث تتمثل في:
- الانقطاع العدواني: الذي يرفض كلّ ما هو غربي دون تمييز بحجة رفضه للتبعية.
- الموقف المعتدل: يتمثل في قبول التواصل النقدي مع الغرب بما يفيد العالم العربي.
- الردّ الإصلاحي: الذي يسعى إلى إعادة بناء الهوية عبر الانتقاء من التراث والحداثة معاً.
ويصنف الخوري الفكر العربي وفق ثلاثة اتجاهات نموذجية: الأول، تقليدي والذي يقول "لا" للحداثة الغربية ويرفضها، ويرد تأخر العالم العربي إلى "عدم تطبيق الإسلام"؛ والثاني، الإصلاحي الذي يقول "نعم ولا" فيتبنى التأصيل "الانتقائي"، ويسعى إلى إدخال قيم الحداثة في المرجعية الدينية والقومية، ويحافظ على الهوية، لكنه يتجاهل التحول العالمي والتطورات الحديثة؛ والثالث، الاتجاه العصري الذي يقول "نعم" للقطيعة مع الأنماط التقليدية الفكرية ويتبنى "العلمنة الجزئية"، ويعترف بضرورة القطيعة المعرفية ويدشن للعقلنة والعلمنة.
شخصيات فكرية
يتناول الكاتب عدداً من الشخصيات الفكرية في العالم العربي، منهم: المفكر المصري أنور الجندي (1917 - 2002م)، ويصف موقفه الفكري من قضايا الحداثة بأنها "نموذج للتطرف والتصلب في المحافظة والتزمت". ثم ينتقل إلى المفكر السوري محمد المبارك (1912 - 1981م)، ويرى أنه يمثل نموذجاً محافظاً أكثر انفتاحية على الإصلاح، وأكثر وعياً بنواقض الوضع العربي الإسلامي. ويتناول المفكر المصري مصطفى محمود (1921 - 2009م)، ويذهب إلى أنه نموذج للإسلامية الإصلاحية التي تهدف إلى إصلاح الإسلام وإعادة تفسيره، وإدراك روحه دون تجاهل التراث.
ويذهب الخوري إلى المفكر اللبناني حسن صعب (1922 - 1990م)، ويرى أنه نموذج "للإسلامية العروبية المُعصرنة"، يحرص على الاجتهاد ويفسر الإسلام باتجاه العودة إلى روحه، ويتمسك في الوقت ذاته بالعروبة كموقف قومي يهدف إلى الوحدة. ويتحدث عن المفكر المصري زكي نجيب محمود (1905 - 1993م)، ويراه نموذجاً للعقل العلمي الذي يسعى لإحياء الروح العقلية للتراث حتى يمكن أن يتلاقى مع الحداثة. وينتقل إلى المفكر السوري جلال صادق العظم (1934 - 2016م)، ويرى أنه مارس نقداً جذرياً "للأسطرة الدينية" وأكد أهمية العقلانية والنقد العقلي الجذري.
وختاماً، ينادي المفكر اللبناني بولس الخوري، في كتابه "تراث وحداثة: قراءة للفكر العربي الحالي"، بحداثة عربية أصيلة تتجاوز الثنائيات المتناقضة، مثل "التراث والحداثة"، و"الأصالة والمعاصرة"؛ ويدعو إلى عقلنة "البنى الفكرية والاجتماعية والسياسية العربية"، ويرى أن الفكر العربي المعاصر يقف في المنتصف بين خيارين تاريخيين: أولهما، ترسيخ الثنائية العقيمة بين تراث جامد وحداثة مستوردة؛ وثانيهما، الانخراط في مشروع عقلاني نقدي، يحرر المفاهيم من قداستها وينفتح على الإبداع الفكري والعلمي ويحافظ على القيم الإنسانية.