تعطيل العقل:

هل الدين مسألة قلب وليس مسألة عقل؟

مركز حوار الثقافات

03-12-2024

تُثير الفيلسوفة الجزائرية والباحثة في الفكر الإسلامي، رزيقة عدناني، عبر كتابها "تعطيل العقل في الفكر الإسلامي.. يخدم الإسلام أم يضر به؟"، عديداً من الأسئلة حول فهم الدين بوجهات نظر مختلفة، وتقدم محاولة تحليل للتحولات المتتالية في فهم الدين الإسلامي.

الفكر الإسلامي 

تقول عدناني إنه يمكن أن نعرّف الفكر الإسلامي بكونه "كل نشاط الفكر وإنتاجه حين يأخذ الإسلام موضوعاً للدراسة والبحث؛ أي يأخذه موضوعاً للتفكير، ينظم الفكر الإسلامي بذلك الإنتاج المعنوي غير المادي، الذي أنتجه فكر المسلمين".

وتضيف أن بعض الكتّاب يدرجون في الفكر الإسلامي كل الإنتاج المادي والمعنوي الذي ظهر في الحضارة الإسلامية؛ لأنهم يشترطون لكي يكون الفكر إسلامياً أن يكون الإنتاج قد حدث تحت ظل الحضارة الإسلامية، ويشمل الفكر الإسلامي عندهم كل الإنتاج الحضاري للمسلمين، وهو ما لا تتفق معه عدناني لسببين: أولاً، لأن الحضارة الإسلامية ليست إنتاج العلماء المسلمين فحسب؛ وثانياً، لأنه لا يكون الفكر إسلامياً إلا إذا كان لا ينفصل عن موضوع الإسلام؛ إذ إن الفكر الإسلامي يُطلعنا أيضاً على طبيعة التفكير عند المسلمين؛ أي إنه يعطي لنا صورة عن كيفية حدوث عملية التفكير عندهم، حين يتناولون الإسلام موضوعاً للبحث والتفكير.

وتتساءل عدناني كذلك عن السبب الذي جعل المسلمين لا يتساءلون حول ما إذا كان مصدر المعرفة الوحي أم الفكر؛ وهل من الممكن أن يكون للمعرفة التشريعية مصدر آخر غير الوحي؟ وهل الأخذ بالفكر البشري مصدراً في بناء المعرفة التشريعية، معناه استبدال ما هو مقدس بما هو بشري؟

وتستنتج عدناني أن الحديث عن فترة تاريخية إسلامية تكون فيها المعرفة إلهية خالصة، بشكل مطلق، لا يصح إلا بالنسبة لفترة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ أما منذ اللحظة التي مات فيها الرسول، ولم يعد يُحدّث الناس بلسانه، وأصبحت سنّته ينطق بها لسان الإنسان الذي احتفظ بها في ذاكرته، واللحظة التي أصبح فيها المسلمون يعتمدون على فكرهم لفهم آيات القرآن، فهي لم تعد معرفة إلهية خالصة، وبما أن الإنسان هو الذات العارفة، فلا توجد معرفة إلهية وأخرى بشرية، وإنما توجد دائماً معرفة بشرية للمعرفة الإلهية، ويبقى الاختلاف في درجة وكيفية وطريقة استعمال هذا الفكر.

مفهوم العقل 

تقول عدناني إن مفردة "عقَّل" في اللغة العربية معناها "هدَاهُ إلى الطريق المستقيم، وجعله يتحكم في نزواته ورغباته"، وهو نفس معنى اللفظ عند الإنسان العامّي، فلما يقول الأب لولده "كُنْ عاقلاً" معناه "كُنْ رزيناً واستقِمْ على طريق الثواب والحق". 

أما عند الفلاسفة، فقد عُرفت هذه الكلمة عند جماعة كبيرة منهم بتعريفات مختلفة، لكنها في النهاية تقترب كلها من مفهوم واحد للعقل، هو الذي يتصوره على أنه "قوة أو بصيرة يملكها الإنسان، تمكِّن نفسه من تمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والمصلحة من المضرّة في الأحكام والأفعال".

وتتساءل عدناني: هل العقل، بهذا التصور اللغوي والفلسفي والعامّي، هو الذي حُكم عليه بأنه عدو الدين؟ فإذا كان العقل هو الاستقامة على طريق الصواب والهادي إلى الرشاد، وكان الصواب والرشاد ما يأمر به الدين، كان العقل هو الاستقامة على طريق الدين، والهادي إليه؛ ويكون العقل بهذا المعنى أفضل سبيل لتحقيق الدين والحفاظ على تعاليمه، وتكون بذلك العلاقة بين العقل والدين ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل، حسب قولها.

وتقول عدناني إن الذي يربط بين قضايا الفكر كالأسمنت، لكي يكون جداره متماسكاً مرتبطاً، هو العقل بقوانينه المنطقية وأساليب تفكيره المحكمة، ولكن المشكلة أن أكثر المفكرين دفاعاً عن العقل في الفكر الإسلامي الحديث، قد عجزوا عن التخلص من النظرة السلبية لهذا العقل التي ورثوها عن الفكر الكلاسيكي.

وتوضح أنه إذا كان ذلك هو موقف الفكر الإسلامي المعاصر من العقل، فما انعكاسات هذا الموقف على حالته فكراً وتفكيراً؟ وأن تلك العبارات التي ينهون بها حديثهم عن العقل، كـ"لكن"، و"إلا"، و"باستثناء"، هي في الحقيقة أدوات تُعطي حق التمرد على العقل للفكر، وذلك إما لتبرير عجزه الفكري والعلمي، وإما لخضوعه لمتطلبات الرغبة والمصلحة، وإما لتمسكه بالأفكار المسبقة.

تعطيل العقل

وتشرح عدناني أن ظاهرة تعطيل العقل وغيابه في الفكر الإسلامي، ترجع إلى حكم أصدر بموجبه المسلمون قراراً حاسماً، وهو أن الدين "مسألة قلب وليست مسألة عقل"، رافضة الأطروحة القائلة بأن كل هذه الالتباسات في مدلول العقل تدل على وجود قلة وعي بالعقل في الفكر العربي الإسلامي؛ إذ توجد أسماء كثيرة لمفكرين مسلمين استعملوا العقل بمدلوله العلمي، كالفارابي وابن رشد.

وتوضح أن الذي يعرف العقل بمدلوله العلمي، ويقول إنه يرفضه، أفضل وأقل خطراً من الذي يدّعي العقلانية، ويقدّم اللا عقل على أنه العقل، فبالتالي ما آل إليه الفكر العربي الإسلامي ليس آثار غياب العقل وتعطيل عمله فحسب، ولكن آثار غياب الوعي والمدلول العلمي الصحيح للعقل، حسب عدناني.

وتؤكد أن الفكر الذي يبحث في الشريعة، يحتاج إلى أن يكون أولاً فكراً واعياً بشروط العقل التي تجنِّبه التناقضات، لكي يتمكن من بناء تشريع صحيح، ويكون العقل في هذه الحالة ليس بديلاً لأصول الفقه، ولكن قاعدته الأساسية، فالشريعة تحتاج إلى فكر سليم يفكر وفق أساليب عقلية منطقية، لكي يتمكن من تناولها بالبحث تناولاً صحيحاً، ويطبّق ويحترم غاياتها، فلا يتناقض معها.

وحسب عدناني، فإن النسبية مبدأ فلسفي وعلمي يقول إن الحقيقة نسبية، مهما أثبتت صدقها التجربة وبرهن عليها الاستدلال العقلي؛ لذلك فهي تحمل دائماً في ذاتها مقداراً من الخطأ، الذي يجعل النفس تحتفظ إزاءها بمقدار من الشك، الذي يمنع الفكر من الحكم عليها بالصدق المطلق، ويترك الفكر الذي يؤمن بالنسبية أبواب البحث مفتوحة ولا يغلقها لغاية الاستمرار في البحث، فيتمكن بذلك من تصحيح أخطائه، وتتمكن المعرفة من التطور، ويتمكن الإنسان من الاقتراب من الحقيقة أكثر.

وتوضح أن النسبية هي الوجه الآخر للوَحدانية، فالدين يقوم على مبدأ الوَحدانية الإلهية الذي يعني أن الله "وحيد في صفاته الكاملة المطلقة، لا يشاركه فيها أي مخلوق من مخلوقاته، وإذا كان الله قد خلق الإنسان وأعطى له أحسن الصفات، كالقدرة على العلم والبصر والسمع والرحمة، فهو علم ناقص وبصر ناقص وسمع ناقص ورحمة ناقصة؛ لأن العالم والسميع والبصير والرحيم هو الله وحده"، لذلك فإن ما يقوم به العبد، أو يصدر منه بالنسبة لجميع المواضيع، وفي جميع الأحوال، لا يمكن أن يكون صادقاً صدقاً مطلقاً، بل هو صدق نسبي من حيث المبدأ.

وختاماً، تؤكد رزيقة عدناني أن الإيمان بمبدأ الوَحدانية الإلهية يستلزم الإيمان بنسبية الإنسان، خصوصاً عندما يكون موضوع معرفته النصوص المقدسة وأحكام الله وإرادته؛ لأن الإنسان الناقص لا يدرك علم الله المطلق وإرادته بشكل مطلق؛ لأنه إذا قدر على ذلك يكون شريك الله في علمه المطلق، وشريكاً له في صفاته الكاملة، وهو ما لا يمكن طبقاً لمبدأ وَحدانية الله. وبالتالي، هذا يعني الاعتراف بنسبية القوانين الشرعية الفقهية، والنظر إلى صدقها مثل صدق يحمل جزءاً من الخطأ، وهو تطبيق وممارسة لمبدأ الوَحدانية الإلهية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة