دليل التدين العقلي:

عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

مركز حوار الثقافات

20-11-2024

محور هذا المؤلَّف يقوم على رفض "أدْلجة الدين"، أو "تأبيد نصوصه في رؤية أحادية وتفسيرات ضيقة تفسد الخطاب القرآني ومجازيّته المتسعة إلى تأويلات واسعة".

لعل هذه بالضبط النقطة الأهم التي يؤكدها الدكتور سعيد ناشيد في كتابه "دليل التدين العقلي"، الصادرة طبعته الأولى في عام 2017، عن دار التنوير للطباعة والنشر، لمواجهة ما أسماه "استثمار المقدَّس بصورة نفعية لحصد مكتسبات وشرعية في حُكْم أو سياسة أو امتلاك ولاء لجماعة لتكريس نفوذها".

عقلانية الدين

يبحث ناشيد في مؤلَّفه حول مدى إمكانية "التديُّن" بوعي وعقلانية، عبر محو نزعات التشدد والتسلُّف والتقوقع في الماضي، والانجذاب والعصبية نحو الطائفة؛ لذا يميز المؤلف بين "الدين"، الذي هو تنزيل ونصٌّ مُجرَّدٌ تجري إعادة تشكُّله في مؤسسات المجتمع المختلفة، وبين "ممارسة سلوك ديني" متعدد الزوايا، وَفْق معايير ثقافية وطبقية، وحسب التلقي المتنوع لإعادة تأويل الوحي طبقًا لدرجة التطور والانفتاح للفرد في مجتمعه، وحجم التطور الحضاري والمعرفي.

يقول الكاتب عبر سطور مؤلَّفه إنه يخلِّص أشكال التديُّن من عناصره "البدائية" التي صاغها تاريخ قديم، حسب قوله، بصيغة "سِحْرية"، وذلك قبل ظهور مؤسسات الدولة بقوانينها الوضعية وسيادة النهج العلمي، لافتًا إلى أنه لا يلغي الصورة الكلِّية للإيمان ولا يتعالى عليها، بل يُقر بعناصرها ومفرداتها ووقائعها وتأثيراتها في الفرد وتشكيل وعيه، بل وهيمنتها أحيانًا على رؤيته تجاه ذاته والعالم.

وفي نظر ناشيد، فإنه لا أحد يمثل الإسلام كدين، من هنا يكرِّس لمفهوم "الحرية الدينية" ومنع وجود مرجعية لأحد أو جهة في مسائل الطاعة والسلطة الدينية؛ وبالتالي فلا يوجد لديه زمن مَهْدَوي مُنتظَر ولا سُلطة مُتخيَّلة، مؤكدًا أن ضمير الفرد هو الحاكم في كل شيء يتعلق بالدين والحياة، فهو – أي الفرد - الذي يخوض تجربة الإيمان في معمله الخاص دون توجيه وإملاء شروط من أحد، ودون تعطيل خياله ووجدانه الديني من أجل مرجعيات روحية أعلى يتبعها.

استثمار الإيمان 

ويقاوم الكاتب أصحاب نظرية الحق الإلهي، ممَّن يستثمرون إيمان الناس من أجل مصالحهم بتحويل فكرتَيْ الطاعة والتبعية إلى اتجاههم، ليسحقوا إرادة الأفراد عبر إعادة بناء النصوص الإيمانية "التعبُّدية"، لتحويلها إلى كتلة قوانين ونصوص دستورية ونظريات علمية، يجري توظيفها الأيديولوجي والبراغماتي لبناء مشروعية سياسية ومجتمعية يكونون هم القائمين عليها.

ويلفت الكاتب إلى ما شاع من مقولات في الدين الإسلامي، كتلك التي تقول: "لا كهنوت في الإسلام"، و"لا سُلطة دينية في الإسلام"، مشددًا على ضرورة تحقيق هذه المقولات في الواقع، وألا تبقى عبارات بلا معنى ولا تطبيق لتتردد بين العامة والمثقفين والشيوخ دون تحققها في واقعنا المعيش، مؤكدًا على أهمية خروج هذه الجُمل أو المبادئ الدينية من حيزها "الدعائيّ" إلى حيز الواقع والحقيقة؛ وتبعا لذلك فلن نرى أحزابًا مبنية على فكر ديني أو أنظمة حِسبة أو محاكم شرعية، حسب قوله، وبالتالي فلا أحد يتحدث باسم هذا الدين إلا نفسه، فهو الناطق بمضمونه والمفسر لكينونته والمطور لها دون عِصْمة لأحد أو جهة.

ويؤكد الكاتب على أن عموم المسلمين حاليًا لديهم حالة من "دفاع الوسواسي" عما يسمى "الشريعة الإسلامية"، فيما يرى أن العقل الجمعي للمسلمين قد نسي أمور العقيدة وتمسك بمفاهيم الشريعة وما تتضمنه من وضعيات بحسب مزاج أهل التشريع؛ موضحًا أن هذا الأمر جرى عن عَمْدٍ، إذ استُبدلت الشريعة بالعقيدة، وصار الاتهام بإنكار أحكام الشريعة، لا إنكار العقيدة، هو المؤدي إلى الحكم بتكفير الفرد، وليس انهيار عقيدته.

ويكشف الكاتب عن تجارب تاريخية واقعية، مُعاصرة وقريبة، جرت تحت وطأة ما سماه المؤلف "الشحن الديني" لهؤلاء الذين يقبضون على السُّلطة، ويطالبون بتطبيق الشريعة بحزم، باعتبار ذلك وسيلة لحل مشكلات المجتمع سياسيًا واقتصاديًا، ما أدى في نهاية الأمر إلى أن تتحول هذه المجتمعات إلى كيانات من الفتنة القائمة على الاستبداد الديني، معطيًا أمثلة على ذلك بما حدث في عهد النميري في السودان، أو في عهد الخُميني في إيران، أو في عهد حركة "طالبان" في أفغانستان.

الإصلاح الجذري

يرى ناشيد في مؤلَّفه أن الإيمان "لا يخلو من معقولية حين نمارسه بوعي وحكمة وتجرُّد"، لافتًا أيضًا إلى أن الإيمان "مسألة اختيار شخصي واختيار وجودي"؛ إذ، يقول إن الفرد حين يؤمن بدين ما، فهو يراهن على ذاته وإرادته هو وليس على الدين، حسب قوله، مُشبهًا الإيمان بالموت؛ إذ لا أحد يموت نيابة عن أحد، ولا أحد يُكتب له الخلود مكان أحد، ولا أحد يفنى عوضًا عن غيره، حيث "لا تزر وازرة وزر أخرى" بحسب تكرارها كثيرًا في النص القرآني، وبالتالي، بحسب ناشيد، فلا سلطة فوق سلطة عقل الفرد، ولا وصاية عليه سواء آمن أو كفر.

ويتوجه المؤلف نحو صيغة وصياغة جديدة للدين، تتجه به نحو فكرة الإصلاح الجذري، والانتقال به إلى حداثة علمية وسياسية وعقلية، عبر تفكيك المحاولات السلطوية التي تصادر حق الإنسان في المعرفة والإيمان والتعبير الحر عن نفسه، بدلًا من تركه أيديولوجيا منغلقة تؤسس للقهر الوجودي.

ويلفت الكاتب إلى نص الآية التي تقول: "إنِ الحُكم إلا لله"، التي يجري ذكرها في الخطاب القرآني مرارًا وتَكرارًا، وتؤكد أنَّ الحُكم الإلهي "غير قابل للتفويض"، أي لا يعطي الله أحدًا غيره هذا الحق، ومن ثم يناقش شعارات "مستثمري الدين"، أو "حُرَّاس الله على الأرض"، باعتبارهم ينتحلون صفة المقدَّس زُورًا وهم يصيحون بتطبيق "شرع الله"، وما هو بشرع الله، بحسب ناشيد، بل هو شرعهم ورؤيتهم للدين حسب المصلحة، فهم محض فقهاء ينتجون اجتهادًا، ولا يعيدون إنتاج كلام الله أو الرسول.

ويلمح الكاتب إلى معنى أن أكون مُتديِّنًا، متسائلا: هل معنى ذلك أن أكون كارهًا للدنيا زاهدًا فيها، نابذًا الحياة، لاعنًا المُتَع، محتقرًا الجسد، وأتنكر إلى طفولتي الميالة إلى البهجة والحب والجمال؟.

ويرد على هذه التساؤلات الاستنكارية بقوله إنه عندما تُمْلي علينا تصوراتنا الدينية شيئًا ضد الفطرة وضد طبيعتنا الإنسانية وضد غرائزنا، فإننا ندفع بأنفسنا إلى أحد خِيارين، إما ممارسة النفاق الاجتماعي، بحيث نعيش حقيقتنا في الخفاء، وإما نطوِّع أنفسنا فنشُلُّ عقلنا ونشوّه طبيعتنا ونخرّب فطرتنا، حسب قوله.

ويوضح أن هذا النفاق النفسي لإرضاء نوع من الإيمان الظاهري، ما هو إلا مرض يستحق العلاج، مقترحًا البديل عن هذا الإيمان المطروح، وهو إيمان العقل أو الإيمان العاقل.

ويفسر ناشيد منهج الإيمان العاقل بالبعد عما سماه "وساوس"، مثل أن "النفس أمَّارة بالسوء"، وبالتالي فعلى المؤمن ألا يصدق نفسه، بل يحذر منها ومن أفعالها؛ كذلك من بين الوساوس التي يجب أن نتجنبها إذا ما أردنا إيمانًا عاقلًا، بحسب المؤلف، "توهُّم الأمان مع أتباع الديانات الأخرى"، باعتبار أن "بعضهم أولياء بعض" بحسب تعاليم الإيمان الظاهري التي يرددها تجار الدين. 

وختامًا، يحذر ناشيد في "دليل الإيمان العاقل" من أن تكون العلاقة بيننا وبين الله، أو الحاكم أو الوالد أو الشيخ، قائمة على الخوف والطاعة، بل على المحبة والاحترام؛ لأن الخائف لا يحب أحدًا، ولأنه أيضًا لا يحترم أحدًا، كما يلفت إلى ضرورة "عدم التعوُّذ من شر نفسك"، لأنك، حسب قوله، إنْ غفلت عن هذه التعويذات فإن الشيطان لن يشاركك الخبز كما يُقال لك، ولن يشاركك في نسلك كما روّجوا لدى عقلك المُستلَب؛ مؤكدًا على أن الإنسان إن عاش بوصايا وتعاليم تراثية غير مفلترة، فإنها بالتأكيد ستقوده إلى حياة من جحيم الوساوس، ومُشيرًا إلى أن العقل وحده هو القادر على "إنقاذك من براثن هذا النوع من الإيمان المدمِّر"، حسب قوله.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة