رؤية حاج حمد:

قراءة في جدلية "الغيب والإنسان والطبيعة"

مركز حوار الثقافات

06-05-2025

حاول المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد (1941–2004م) إعادة قراءة القرآن الكريم برؤية معاصرة، ومنهجية معرفية عميقة. في إطار مشروعه الفكري "منهجية القرآن المعرفية"، وفي هذا الكتاب، سعى إلى فهم النص القرآني بوصفه خطاباً كونياً عالمياً، يمكنه استيعاب معطيات العلم الحديث والعلوم الإنسانية الأخرى، متجاوزاً بذلك سذاجة الفهم التقليدي الجزئي للنص.

تبلور هذا المشروع المعرفي عبر عدة محاور أساسية، تناولت لغة القرآن وقصصه ورؤيته للعلاقة الجدلية بين الغيب والإنسان والطبيعة، إضافة إلى قيامه بطرح تصورات لمراحل تطور الدور الحضاري الإسلامي، لينحت مفهوم "العالمية الإسلامية"، قبل أن يقوم بالتأصيل له.

الخطاب الكوني

تنطلق فكرة الخطاب القرآني الكوني، عند حاج حمد، من أرضية معرفية جديدة، تؤمن بأنّ الخطاب القرآني موجه إلى الإنسانية دون تمييز، ساعياً إلى طرح رؤية معرفيّة عالميّة، يمكنها تجاوز حدود الزمان والمكان والثقافة. 

وحسب المفكر العربي الكبير، السوداني الأصل، رحمه الله، فإنّ النص القرآني جاء بخلفية كونية، عملت على تغيير نظرة الإنسان إلى وجوده ودوره في الحياة؛ ذلك أنّ القرآن، في رأيه، نجح في بلورة بُعد أنطولوجي (وجودي) جديد للإنسان، وضعه وفقاً لذلك ضمن إطار فلسفي حيوي، قوامه التماهي بين "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة". 

هذا الخطاب الكوني المتفرد، يتجاوز حدود الموعظة والتشريع التي قام القدماء بتأطيره داخلها بأسيجة دوجمائية؛ إذ فشلوا في استيعاب قدرة النص القرآني على إعادة إنتاج المعرفة الإنسانية، من خلال ترتيب عناصر الوجود، ضمن شبكة علائقية يدخل ضمنها الإلهي والإنساني والطبيعي، في صيغة متفاعلة لا يتغول فيها أي بُعد على حساب الآخر.

وانطلاقاً من هذه الكيفية، يؤكد حاج حمد أنّ القرآن الكريم مرجع معرفي كوني بامتياز، قادر على احتواء الوعي الإنساني، وهو بذلك يُعد المكافئ الموضوعي للوجود الكوني وحركته، لقدرته على استيعاب حركة التاريخ والتحولات الكبرى فيه، وكذا القدرة على الإحاطة بها. وفي ذلك يقول إنّ "القرآن معادل موضوعي للوجود الكوني وحركيّته، مستوعب للصيرورة ومُحيط بها". ويخلص من هذا المعطى إلى نتيجة، يذهب من خلالها إلى إثبات قدرة النص المؤسس على تقديم تفسير وتصور شمولي للكون والحياة والإنسان عبر منظومة مقاصدية؛ ومن هنا، نحت حاج حمد مفهوم "الخطاب الكوني" للقرآن.

النظرة الشمولية

يرى حاج حمد أنّ عالميّة القرآن الكريم، تحتم بالضرورة فهمه ضمن وحدته البنائية الكاملة، وليس بطريقة تجزيئية ضيقة. لذا انتقد بحدة التفسير الجزئي، الذي يُرجع الأمور إلى أسباب، فرفض ما يسمى "أسباب النزول"، وقال إنّ السببية تؤدي إلى فصل الآيات عن سياقها الكلّي. كما قام بتفكيك القراءات الأيديولوجية الضيقة، التي تحاول توظيف النص القرآني بمعزل عن رؤيته الكونيّة. 

وأكد المفكر الراحل أنّ فهم القرآن يتطلب الجمع بين معارف متعددة؛ لافتاً إلى أهمية العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، في استيعاب دلالات النص ضمن بنائه الشمولي المتكامل. ذلك أنّ التكامل، في رأيه، هو جزء أصيل من منهجية القرآن المعرفية، كبديل منهجي عن الفصل التعسفي بين الدين والعلم. وهو ما يتفق فيه إلى حد كبير مع طه جابر العلواني في سياق الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون، وإن اختلفت زوايا تناولهما بين الفلسفي والتاريخي.

وتميزت منهاجية حاج حمد بالانطلاق من داخل النص القرآني ذاته لاستخلاص منهجية كونية شاملة، بدلاً من الاكتفاء بالمقارنة العبثية بين الإسلام والحداثة. ذلك أنّ القرآن، في رأيه، رسالة معرفية عالمية تدخل ضمنها مفردات التطور والتحديث كلها، الأمر الذي يعيد تعريف علاقة الإنسان بالكون وبالله، ضمن إطار توحيدي كامل.

المفردة القرآنية 

يركّز حاج حمد على دور "اللغة القرآنية"، بوصفها حاملة البناء المعرفي داخل النص، فاللغة وعاء التفكير، ولا يمكن بالتالي فهم النص دون استيعاب لغته. لكنّه يؤكد أنّ كل مفردة قرآنية وُضعت بدقة ولها قصد محدد. وبالتالي، يرفض وجود كلمات مترادفة؛ مؤكداً أنّ كل لفظ قرآني يمثل في الحقيقة مصطلحاً علمياً محدد الدلالة، له فعاليته ضمن المنظومة القرآنية. وقد شبّه حاج حمد اللغة القرآنية بـاللغة الرياضية العلمية التي "لا يتساوى فيها أي عدد مع أي عدد آخر"؛ أي إنّ "المفردة القرآنية لا تماثل ولا تشابه مفردة قرآنية أخرى ولا تقبل الترادف".

ويمكن القول إنّ هذا التصور يعزز حضور المفردة القرآنية، ويرتقي بلغة النص إلى مستويات مفارقة من حيث الدقة الاصطلاحية، ممّا يؤدي إلى اعتبار كل كلمة قرآنيّة حاملاً لمفهوم خاص، قصده الله بذاته ضمن بنية معرفية متكاملة.

ومن هذا المنطلق، فرّق حاج حمد بين الاستعمال الإلهي للغة العربية في القرآن، وبين الاستعمال البشري للغة خارج القرآن؛ فالأول، يحكمه تصور معرفي قرآني خاص، لا علاقة له بالتصور الذهني البشري المرتبط بثقافة وبيئة معينة وظروف معينة، ولا علاقة للاستعمال الإلهي بأي سياقات قومية.

وبناءً عليه، من الحتمي أن يرفض حاج حمد قَصر دلالات الألفاظ القرآنية على معناها الوارد في الشعر العربي مثلاً، أو في المعاجم التقليدية؛ نظراً لأنّ القرآن أضفى على ألفاظه "حمولة معرفية جديدة"، تختلف بالضرورة عن المعاني الشائعة في الشعر والمعاجم. وبهذا المعنى، تصبح "المفردات القرآنية مصطلحات، ضمن نسق القرآن المفاهيمي الخاص".

وهكذا، فإنّ لغة القرآن هي لغة اصطلاحية علمية بالغة الدقة، بشكل توازي فيه أحرفه مواقع النجوم في سماوات الكون، حسب تعبير حاج حمد. فترتيب الألفاظ القرآنية ومواضعها محسوب بدقة وإحكام، كما هو ترتيب الأجرام في الكون. فلا يمكن، حسب قوله، تبديل كلمة بأخرى في آية قرآنية، دون أن يختل المعنى المقصود؛ فكل لفظة قرآنية مختارة لسبب ما، سواء من ناحية معناها الخاص، أو جرسها الموسيقي، أو ارتباطها بسياق آيات أخرى تشترك في الجذر اللغوي، وكل هذا يؤكد ضمنيّاً الوحدة البنائية للقرآن الكريم.

وختاماً، وانطلاقاً من هذا الفهم، الذي يُقدمه حاج حمد، للغة القرآنية، فإنّ عملية التفسير والتأويل لا بد أن تصبح دقيقة وعلمية إلى أبعد حد ممكن، شريطة أن يحافظ المفسر على المنهج العلمي، ويتعامل مع المفردات بوصفها مصطلحات معرفية محددة لها قانونها الخاص، فيبحث عن دلالة الكلمة داخل القرآن نفسه، قبل الرجوع إلى المعنى اللغوي العام، بعيداً عن الترادف وأسباب النزول. وهذا يؤدي بالضرورة إلى استنباط معانٍ جديدة لكثير من الألفاظ القرآنية، وهو ما توصل إليه حاج حمد؛ فمثلاً كلمات مثل: "أمّي" أو "الكتاب" أو "العالَمِين"، اكتشف لها معاني أخرى في ضوء هذا المنهج الداخلي الفريد.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة