يرصد المفكر اللبناني رضوان السيد، في كتابه "الصراع على الإسلام.. الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية"، حالةَ الصراع على الإسلام للاستحواذ والسيطرة عليه وتوظيفه، ويوضح أبعاد هذا الصراع الداخلية والخارجية.
يتجاوز "السيد" رصد الصراع الدائر على الإسلام، إلى إيجاد حلول للقضاء على هذه الحالة، بما يُسهم في تقدم العالم الإسلامي والقضاء على ما يسببه هذا الصراع من إعاقة للنهضة، ويحيل بينه وبين الحداثة والعودة للمسار التاريخي، الأمر الذي يمهد الطريق أمام العودة الحضارية للعالم الإسلامي.
صراع الاستحواذ
تتصارع عدة أطراف على "الإسلام" في محاولة للاستحواذ عليه، ويحاول كل طرف تقديم نفسه بأنه "المتحدث الأوحد" باسم الدين، وتتمثل في:
1. القوى الداخلية: وتنقسم بدورها إلى:
- القوى التقليدية، المتمثلة في مدارس التعليم الديني العريقة المستمدة وجودها من التراث والتقليد.
- قوى الإصلاح والتحديث التي تهدف إلى اللحاق بالحضارة الأوروبية.
- القوى الإحيائية التي تدعي امتلاك الإسلام، وتسعى للتحكم به والهيمنة على المجتمعات الإسلامية، وتولي حكمها بالقوة، وتتمثل في الجماعات الإرهابية بدءاً من الإخوان، حتى تنظيم القاعدة.
2.القوى الخارجية: التي تستهدفه وتحاول السيطرة على الإسلام ومحاولات إصلاحه بدعوى إنقاذه من يد الأصوليين الإسلاميين. في هذا الإطار، يقول "السيد" إن الصراع على الإسلام صراع مركب، تجاوز العالم الإسلامي إلى العالم كله، الذي انتبه إلى وجود حاجة مُلِحَّة للإصلاح الإسلامي، الذي أصبح مطلباً واحتياجاً عالمياً، حسب قوله.
ثلاثة اتجاهات
يذهب "السيد" إلى أن العالم الإسلامي يسوده اتجاهات ثلاثة، في محاولة فهم أسباب "العلاقة السيئة مع العالم"، تتمثل في:
1- الاتجاه الأول: التبرير، وهو الاتجاه السائد في الفكر الإسلامي المعاصر. يبحث أصحابه عن أسباب الصراع بين الإسلام والحضارة الغربية في مراحل التاريخ المختلفة، حتى العصر الحالي، ويَخلص معظمهم إلى أن الحضارة الغربية عدوانية، ما يضطرهم إلى خوض ما يعتقدون أنه معارك للتمسك بالثقافة الإسلامية ضد الاغتراب.
2- الاتجاه الثاني: يرى أن الصراع بين الإسلام والغرب ليس صراعاً دينياً، بل هو صراع على النفوذ والموارد، الأمر الذي تسبب في تدهور العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.
3- الاتجاه الثالث: يذهب إلى أن الصراع بين الإسلام والغرب سببه تخلف الدول الإسلامية في مقابل تقدم الدول الغربية، وعجز العالم الإسلامي عن اللحاق بالحضارة الغربية.
يوضح "السيد" أن الاتجاهات الثلاثة السابقة نابعة من منطلق كل اتجاه وأيديولوجيته، ورؤيته للصراع الحادث على الإسلام.
يرى "السيد" أن التيارات الإصلاحية والتيارات الإحيائية، رغم أهدافها المختلفة، فإنها تعاونت في بداية القرن العشرين، ضد الفقه التقليدي؛ فالإصلاحيون احتجوا على نمط الإسلام التقليدي، متهمينه بأنه عاجز ومستسلم وغير قادر على مواجهة الواقع؛ بينما اتهمته التيارات الإحيائية، بالاختلاط والشرك، فرفضوا الفقه التقليدي بمذاهبه الأربعة، ونشروا أفكارهم المرتكزة على رواية أساسية مفادها أن المسلمين تركوا صحيح الدين الإسلامي، وللعودة له لا بد من تطبيق الشريعة التي هي سبب الشرعية وليس الجماعة، حسب قوله.
يقارن الكاتب بين الفقه التقليدي، وبين التيارات الإحيائية وجماعاتها الإرهابية، فيما يخص الاهتمام بالأمة الإسلامية، ويرى أن أهم الفوارق بينهم:
- الفقه التقليدي، يرى الشأن السياسي مسألة تدبيرية وليست عقائدية، تحدده الجماعة وفقاً لظروفها وحالتها المجتمعية، ويرى في السياسة شأناً قابلاً للإصلاح والتغيير.
- أما التيارات الإحيائية، فترى في السياسة مسألة تعبدية عقائدية، مهمة الحاكم فيها تطبيق الشرع فقط، والهدف من السياسة هو الوصول للحكم بحجة تطبيق الشريعة، التي يعتبرونها المرجعية التي يتسندون إليها في تطبيق أفكارهم، دون أي اهتمام بحاجة المجتمع أو التطورات التاريخية.
الدين والدولة
يقول "السيد" إن الأصولية تُسوِّق لمقولات عديدة للوصول إلى أهدافها، وعلى رأسها أن "الإسلام في خطر"، لذا يجب حمايته عبر الوصول للسلطة وتطبيق الشريعة؛ فيسخرون الدولة للدين حسب قولهم: "الإسلام مصحف وسيف"، وهي مقولات حديثة على الإسلام ظهرت على يد منظري الحركات الإسلامية، الذين اجتهدوا في التأصيل للاستيلاء على السلطة بدعوى "تفعيل الإسلام في المجتمع".
ويرى الكاتب أن الشريعة الإسلامية منهج حياة للفرد والمجتمع، وهو الأمر الذي استمر حتى العصر الحديث، فكان هناك فصل بين السياسة والدين، وكان للفقهاء ورجال الدين مجالهم، وللسياسيين مجال آخر خاص بهم، وكان الاهتمام بالشريعة الهدف منه إصلاح أحوال الناس وظروفهم وتلبية احتياجاتهم، لا السيطرة عليهم وحكمهم بالقوة، كما تحاول الجماعات الإرهابية في العصر الحديث، حسب قوله.
ويقول المؤلف إن الفقيه التقليدي اهتم بالشريعة باعتبارها منهج حياة للفرد والمجتمع، الهدف منها هو إصلاح الأحوال المعيشية للناس؛ فاجتهد الفقهاء في النص الديني، حتى يتمكنوا من تدبير شؤون الحياة، وجعلوا من هذا التدبير، أو "الاجتهاد" في الدين، وسيلة لتحسين حياة الناس وتلبية احتياجاتهم. وفي المقابل، فإن منظري الحركات الإسلامية الذين ظهروا مع القرن العشرين، والذين يصفهم "السيد" بـ"الفقيه الجديد"، يسعون فقط إلى الوصول للسلطة باسم الدين، يستخدمون الشريعة لهذا الهدف ويحتجون بالخوف على الدين.
ويوضح "السيد" أن إنهاء الصراع الداخلي على الإسلام أمر مُمكن الحدوث، عن طريق: "فك الاشتباك بين الدين والدولة"؛ فالدولة في الإسلام منذ نشأته لم تكن "حارسة للدين"، كما يدعي منظرو الحركات الإسلامية، الذين يرغبون في الاستيلاء على الدولة بحجة تطبيق الدين؛ فالدولة في الإسلام على مدار التاريخ تدين بوجودها للإسلام، لكنها لم تكن حارسة للدين، والتاريخ يُثبت انهيار العديد من الدول الإسلامية في التاريخ، ورغم ذلك لم ينهَر الدين وبقي الإسلام.
رؤية استعمارية
ينتقد "السيد" الاستشراق الغربي ودراسته للإسلام؛ إذ ينطلق من رؤية ثقافية استعمارية مشوهة، تتبنى وجهات نظر ظالمة للإسلام وللثقافة الإسلامية والعربية؛ ولدى الاستشراق "قصور منهجي" يتمثل في تجاهل قراءة الواقع والظروف التاريخية المتغيرة، وينطلق لتصفية حسابات وإثبات التفوق على التاريخ الإسلامي والثقافة العربية، مستغلين بذلك الحالة الآنية للعالم الإسلامي المستضعف، ليؤكدوا من خلاله أن الوضع الإسلامي لم يكن في أي من فترات التاريخ أفضل من الوضع الحالي.
يذهب الكاتب إلى أن المفكرين الإصلاحيين، أمثال جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وصادق جلال العظم، وغيرهم، وصلوا إلى حالة من الوعي تُمكنهم من رصد العالم وتحديد موقع العالم الإسلامي فيه، وإشكالياته المتعلقة بعدم قدرته على مسايرة الحضارة العالمية وتخلفه في سائر المجالات، كما أنهم تمكنوا من الوصول إلى الحل للقضاء على هذا التخلف، وهو التقدم، حسب قوله.
يقول "السيد" إن هذا الوعي بالإشكالية التي يقع فيها العالم الإسلامي، وبفهم إمكانية حل هذه الإشكالية عن طريق التقدم، لم تكن كافية لتغيير واقع العالم الإسلامي المعاصر، الأمر الذي تسبب في ظهور حالة مغايرة لفكرة التقدم، تمثلت في انتشار مقولات مثل الحاكمية والخلافة، وادعت وجود مؤامرة على الإسلام، الأمر الذي زاد من انفصال العالم الإسلامي عن العالم.
إشكاليات أساسية
يرصد المؤلف ما وصفه بـ"إشكاليات أساسية في الفكر الإسلامي والعربي"، ومنها، عدم الاعتناء بالثقافات والترجمات عنها. ما يجعل التواصل مع الحضارة الغربية صعباً، ويمنع العالم الإسلامي من تكوين رؤية عن العالم، وموقعه منه؛ وبالتالي، لا يمكنه من إقامة علاقات متوازنة مع العالم والغرب والذات.
ويعيب "السيد" على المثقف العربي أنه هش التكوين، هدفه من الثقافة محدود و"تقني"، للحصول على الوظيفة، دون محاولة بناء ثقافة موسوعية خارج نطاق وظيفته، وهو التوجه الذي ظهر منذ مشاريع النهضة الأولى في بدايات العصر الحديث، الأمر الذي يظهر معرفة تقنية تكنولوجية جيدة لدى الشباب العرب، دون ثقافة حقيقية، إضافة لمشكلة التراث وما سببه من إشكاليات حول التقليد والتجديد، ما أثر كثيراً في العديد من المشاريع الثقافية والتجديدية في العالم العربي بشكل عام ولدى الإسلاميين بشكل خاص.
ويطالب الكاتب، لعلاج إشكاليات العالم العربي، بفتح باب الاجتهاد، في جميع المجالات وبين جميع فئات المجتمع، وليس لدى الفئات النخبوية، فقط، فيشدد على أهمية "إتاحة الاجتهاد"، ليس على المستوى الديني والفقهي فقط، بل يجب إتاحة الاجتهاد كممارسة عامة في المجتمع، في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والعلمية والاقتصادية.
يقول "السيد" إن الاجتهاد يجب أن يتجاوز المستوى المادي، إلى المستوى القيمي، حتى يملك العالم العربي مشروعاً تقدمياً إنسانياً له قيمة أخلاقية، وتطبيق هذه القيم الأخلاقية في المجتمع، وعدم الاكتفاء بامتلاكها قولاً، دون تطبيقها مجتمعياً؛ فالإسلام يمتلك قيماً كبرى لا تختلف عن القيم العالمية، لكنها تظهر على مستوى الأفراد وفي الاعتقاد، دون تطبيقها في المجتمع الإسلامي.
ويدعو الكاتب إلى أهمية التعليم ودروه في حل إشكاليات العالم الإسلامي وتحقيق التقدم، وينتقد نسبة الأمية العالية في العديد من الدول العربية والإسلامية، ما يوضح أن الاستثمار في التعليم غير كافٍ، بما يجعل من المهم زيادة الاستثمار في التعليم بالدول العربية، بما يُحقق وعياً مجتمعياً بأهمية التقدم والترقي على المستوى الإنساني، ويساعد بشكل جيد في تحقيق مشروعات الحداثة والتقدم.
ختاماً، يرى "السيد" أن العالم الإسلامي في أمَسِّ الحاجة إلى مبادرة لإصلاح الشأن العام، والتعاون في تكتل عربي يحقق النهضة الاقتصادية، كما أن أفراد المجتمعات العربية والمثقفين في حاجة إلى الانفتاح على العالم، لتجاوز الفجوة والتفاوت المعرفي مع العالم، ما يحقق إمكانية إيجاد أطروحات جديدة تُسهم في حداثة العالم الإسلامي وتقدمه، حسب قوله.