عبد الحكيم أجهر:

رؤية في حداثة ما وراء الأصالة والمعاصرة

مركز حوار الثقافات

17-09-2025

يرتكز المشروع الفكري للمفكر السوري عبد الحكيم أجهر على إعادة قراءة التراث الإسلامي والعربي قراءة مُغايرة ومتمايزة، ويهتم بشكل خاص بالحقول المعرفية التي يتشابك فيها الدين بالفلسفة، مثل علم الكلام والفلسفة الإسلامية والتصوف، ويهدف إلى إيجاد إجابة عن الأسئلة المركزية التي تدور حول الحقول المعرفية الإسلامية، ويسعى إلى فهم طبيعة الأنساق العقلية التي شكلت الفكر الإسلامي عبر التاريخ.

أجهر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد الإماراتية، والحاصل على الدكتوراة من معهد الدراسات الإسلامية من جامعة ماكجيل بمونتريال الكندية، عن رسالته "الإلهيات عند ابن تيمية"، يؤكد أن أهم إشكاليات الفكر العربي المعاصر التي تحول دونه والحداثة، هي الانفصال والاغتراب الذي تعاني منه التيارات الفكرية التي تؤسس الفكر العربي المعاصر؛ ويدعو إلى تجاوزها عبر المراجعة النقدية الشاملة. 

وضع أجهر مشروعه الفكري في بعض مؤلفاته، منها: "ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام"، و"التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي: دراسة في الأسس الأنطولوجية لعلم الكلام الإسلامي"، و"سؤال العالم: الشيخان ابن عربي وابن تيمية من فكر الوحدة إلى فكر الاختلاف"، و"الله: الآخرية في الحضور أو ما وراء الأصالة والمعاصرة"، و"الحقيقة وسلطة الاختلاف".

السؤال المركزي

يذهب أجهر إلى أن فكرة الله تمثل السؤال الرئيس والمركزي لأي بناء في الفكر الإسلامي والحقول النظرية الإسلامية، مثل علم الكلام والفلسفة الإسلامية والتصوف، وهي مدخل رئيس لفهم طبيعة العقل المسلم، لأنها أطر فكرية حاولت "بناء نظرة للعالم تتمحور حول فكرة الله"، ويصف الحقول المعرفية الإسلامية بأنها غير منفصلة، هدفها الرئيس هو إيجاد إجابات مختلفة ومتعددة ومتنوعة عن السؤال المركزي. 

والبحث في الحقول النظرية الإسلامية، مثل علم الكلام والفلسفة الإسلامية والتصوف، تدفع بـ"أجهر" إلى تقديم قراءات جديدة غير تقليدية للتراث الإسلامي والعربي الفكري؛ إذ يذهب إلى أن علم الكلام في الإسلام تجاوز حدود اللاهوت التقليدي، وسعى إلى تأسيس نفسه على مبدأ عقلي يتمثل في "تبرير الوحي"، ورغم ذلك فإنه يرى أن انشغال علم الكلام بالدفاع عن العقيدة بالأدلة العقلية لم يروض العقل كلياً، بل جعله يتحول إلى "قوة صياغة للوحي".

يقدم أجهر قراءة غير تقليدية للعلاقة بين تقي الدين أحمد بن تيمية (1263 - 1328م)، وبين محي الدين بن عربي (1165 - 1240م)، رغم ما بينهما من تفاوت فكري وفقهي؛ ويعتبر أن بينهما "علاقة وثيقة وقرباً شديداً" على عكس ما هو شائع، ويذهب إلى أن ابن تيمية قرأ ابن عربي جيداً واستعار معظم مفاهيمه الأساسية، وأن كلاً من الشيخين ابن عربي وابن تيمية مثَّلا محطة نضج في الفكر الإسلامي؛ إذ اجتهدا في تقريب مفهوم الألوهية من العالم عبر مسارين مختلفين: فابن عربي اتخذ طريق "فكر الوحدة"، الذي يؤكد على الحقيقة الواحدة للوجود رغم تنوع المظاهر؛ بينما "ابن تيمية" اتخذ طريق "فكر الاختلاف"، الذي يرى فيه أن النص ليس سبب الاختلاف، بل فهم العلماء هو سبب الاختلاف؛ وبالتالي، الاختلاف في مفهوم الله ليس اختلافاً في المفهوم نفسه بل فهم العلماء المختلف للمفهوم.

مشكلات التقليد

ينتقد أجهر الفكر العربي المعاصر، ويرى أن إحدى مشكلاته الرئيسة التي تواجهه هي الفصل بين "التفكير النظري في التراث"، أو ما يُطلق عليه "التراث العالِم"، وبين المدارس العقدية التي تتبنى التقليد والنقل في جميع المجالات بما فيها مجال العقائد؛ وهي مدارس، وفقاً له، ما زالت موجودة وفاعلة في الفكر العربي المعاصر. 

ويرى أن التفكير النظري كان يلازم التفكير العقدي في الإسلام لا سيما في وقت مبكر، الأمر الذي أدى إلى ظهور الفلسفة الإسلامية التي بدأت بجهود للتوفيق بين الفلسفة والدين. كما يرى أن العالم العربي والإسلامي، في سعيه لتحقيق حداثته، يعاني من أزمة عميقة في الدرسات الإسلامية، تتمثل في رغبة العالم العربي والإسلامي لتقديم نفسه بطريقة معينة تناسب واقعه؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، لا يتمكن من التخلص من "المسبقات الغربية"، التي يعني بها "الأفكار والأطر المفاهيمية الغربية الحداثية"، التي أصبحت تشكل عائقاً أمام العالم العربي والإسلامي في سعيه نحو الحداثة والنهضة.  

يقول أجهر، إن عدم قدرة العالم العربي والإسلامي على التحرر من "المسبقات الغربية"، أو الأطر والمفاهيم الغربية، يضعه في مشكلة، لا سيما أن هذه المسبقات ترتبط بتاريخ الاستشراق، الذي تعامل من خلاله الغرب مع الشرق من موقع قوة وبطريقة عدوانية، ما دشن للمسبقات الغربية التي تقف حائلاً أمام جهود الحداثة الذاتية للعالم العربي والإسلامي.

تصور النهضة

يوضح أجهر طريقة لتجاوز أزمة المسبقات الغربية، واستمرار استخدام العالم الإسلامي والعربي للوسائط الغربية في قراءاته الذاتية لنفسه، فالحل لا يكمن في رفض الغرب، بل يتمثل في ضرورة بناء أدوات ومنهجيات ذاتية لقراءة الذات قراءة أصيلة. وتساعد هذه الأدوات والمنهجيات الذاتية في إعادة قراءة علم الكلام والفلسفة الإسلامية، الأمر القادر على تحقيق النهضة العربية.

ويضع تصوراً للنهضة يختلف عن التصورات والمشروعات التقليدية لها؛ فيرى أن النهضة ليست بالضرورة إلغاء الثنائيات الفكرية (مثل: العقل والوحي، أو الأصل والفرع)، بل في استكشاف ما يطلق عليه "شكل الصلة" أو "علاقة الوصل" بين أطراف النهضة. ويذهب إلى أن التراث الفكري الإسلامي قدم فرضيات إبداعية حول "شكل الصلة"، لا سيما لدى المتصوفين الذين وجدوا هذه العلاقة في "الاتحاد"، وعودة المفرد إلى أصله؛ بينما قدم الفلاسفة، مثل الفارابي وابن رشد وابن سينا، فرضيات متعددة حول عملية بناء هذه الصلة. 

لذلك، يشدد على أن حل إشكاليات النهضة العربية ليس في استيراد نموذج جاهز للحداثة، بل في استئناف الاجتهاد داخل التراث نفسه بمنهجية جديدة، تركز على "كيفية الوصل" لا على "وجود الثنائية"، الأمر الذي يجعل من السهل تجاوز أحد أهم إشكاليات الحداثة والنهضة العربية، وهي ثنائية الأصالة والمعاصرة، ليصل إلى ما أطلق عليه "ما وراء الأصالة والمعاصرة".

اغتراب وانفصال

يؤكد أجهر على وجود إشكالية كبيرة تُعاني منها الثقافة الإسلامية المعاصرة، تتمثل في الاغتراب عن الذات، أو الشعور بالانفصال وفقدان الهوية؛ ويُقسم الفكر العربي المعاصر إلى ثلاثة تيارات فكرية تشترك في إظهار حالة اغتراب الفكر العربي المُعاصر:

- التيار الأصولي: الذي يرى الماضي ملاذاً آمناً، لكنه مغترب عن الواقع المعاصر وقيمه، ويعاني من قلق عميق حول ضياع قيم الأمة.

- التيار الحداثي: الذي يطالب بالتخلي عن الماضي واعتماد القيم الغربية الحديثة، وهو بدوره يعاني من اغتراب عميق. 

- تيار الأصالة والمعاصرة: ويتمثل في التوفيق والجمع بين الهوية الثقافية والحداثة، وهو تيار يعاني من أزمة عميقة تتمثل في الانتقائية.

ويرجع أجهر اغتراب الفكر العربي إلى عدة عوامل، منها: غياب التفكير النقدي، وغياب البحث العلمي، وضعف الحوار الثقافي؛ لذلك يطالب بإجراء مراجعة شاملة للواقع الثقافي والاجتماعي للخروج من أزمة الاغتراب وحل الإشكالية من جذورها.

وختاماً، يطرح المفكر السوري عبد الحكيم أجهر في مشروعه الفكري رؤية للخروج من أزمات الفكر العربي والوصول للحداثة، تتمثل في بناء أدوات ومنهجيات ذاتية تُمكن من إعادة قراءة التراث، واستكشاف الصلة بين الثنائيات المتضادة والمفاهيم الحداثية والتراثية، الأمر الذي من شأنه تقديم فرضيات إبداعية ويؤسس حلاً لإشكالية الأصالة والمعاصرة، ويصل بالفكر العربي إلى "ما بعد الأصالة والمعاصرة"، ويحقق مراجعة نقدية شاملة للواقع الثقافي العربي والإسلامي، ويتيح وجود حوار ديني وفكري وثقافي حقيقي يساهم في تأسيس الحداثة العربية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة