يمثل المشروع الفكري عند المفكرة الأكاديمية عزيزة الحبري (1943م)، الأمريكية الجنسية اللبنانية الأصل، تطبيقًا للنسوية الإسلامية التأويلية، التي ترى في الإسلام والعودة إليه إمكانية لحل إشكاليات المرأة في العصر الحالي وجميع العصور دون استثناء؛ وترى أن ثمة قراءة ذكورية للنص الديني، فرضها النظام الأبوي الذي سيطر على الإسلام، عقب وفاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأعطى للدين صورة غير حقيقة له.
عزيزة الحبري، التي شغلت منصب أستاذة الفلسفة، ثم أستاذة القانون في جامعة ريتشموند بالولايات المتحدة، وضعت مجلدًا كاملًا عن حقوق المرأة المسلمة وحقوق الإنسان، إضافة للعديد من مؤلفاتها وكتاباتها عن المرأة المسلمة والعنف الأسري والديمقراطية، تذهب في مشروعها الفكري إلى أهمية إيجاد قراءة جديدة للقرآن وفقًا لمقاصده، وتنظر بعين الاعتبار إلى الفترة التي عاشها النبي، وواجه فيها السيطرة الذكورية المستمدة من النظام القبلي الجاهلي.
النموذج الأبوي
ترى "الحبري" أنه لفهم إشكاليات النساء في الإسلام، يجب فهم الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام، ثم التأثير الذي أحدثه الإسلام في حياة المرأة بشكل خاص وبالمجتمع بشكل عام في ذلك الوقت، إضافة لفهم الظروف التي أدت إلى ظهور السيطرة الأبوية في الجاهلية ثم امتدادها في الإسلام بعد ذلك، حسب قولها.
توضح "الحبري" أن الإسلام، يتجاوز أي أيديولوجية دنيوية، ويختلف تمامًا عن النزعة الأبوية المسيطرة في العالم الإسلامي، فالإسلام والأبوية لا يتفقان، إلا أن الأبوية استطاعت أن تفرض وجودها على الإسلام عقب وفاة النبي؛ لذا، فإن الإسلام كما يمارس اليوم ليس هو الإسلام الحقيقي، بل هو صورة أبوية مسيطرة له، حسب قولها.
و تذهب "الحبري" إلى أن الأبوية، التي سيطرت في الجاهلية قبل الإسلام مباشرة، بدأت في الانتشار والسيطرة في المائة عام الأخيرة قبل الإسلام، بينما فترة الجاهلية لا تخلو من وجود نظام "أمومي" سيطر في شبه الجزيرة العربية أو أماكن منها، وإن كان في فترة طويلة سابقة قبل الإسلام، لا سيما في حضارات شبه الجزيرة العربية مثل حضارة سبأ، التي حكمتها عدد من النساء مثل بلقيس.
كما أن النظام الأمومي لم ينقضي بشكل كامل، وبقيت بعض آثاره، مثل النساء الشاعرات التي اشتهرن قبل الإسلام مثل الخنساء، أو وجود نساء لديهن تجارة وأموال وقدرة على التحكم فيها وفي أموالها، مثل السيد خديجة، حسب قولها.
تقول "الحبري" إن النظام الأمومي السائد في شبه الجزيرة العربية، تراجع لصالح النظام الأبوي في الفترة الأخيرة للجاهلية التي سبقت الإسلام مباشرة، فأصبح من حق الرجل أن يتزوج أكثر من مائة امرأة، وكانت النساء يُورثن للابن بعد وفاة الأب، وله الحق أن يتزوج ما شاء منهن، باستثناء أمه أو يحبسهن ليتنازلن عن ممتلكاتهن له أو يزوجهن ويحصل على صداقهن. ولم تكن للمرأة حق الميراث، وفقًا للنظام الأبوي الذي انتشر بسبب طبيعة الحياة القاسية في الصحراء المبنية على الحرب والإغارة، فأصبح القتال أهم وأرفع واجب في القبيلة، وهو الواجب الذي لا تمارسه النساء، لظروف خاصة بهن مثل الحمل والولادة وتربية الأطفال أو الوضع الاجتماعي السائد، ما أدى إلى تدني مكانة النساء، وسيطرة النظام الأبوي في شبه الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلامي، حسب قولها.
الإسلام والأبوية
ترى "الحبري" أن الإسلام رفض النظام الأبوي السائد قبله، وحاربه، ودافع عن حقوق المرأة وأعطى لها مكانة كبيرة، وحرَّم عديدًا من العادات الجاهلية الخاصة بالنساء، مثل طردهن والتخلي عنهن وتوريثهن كالمتاع، ورفض التعدد المطلق الذي كان مباحًا في الجاهلية، وأعطى القرار للمرأة في زواجها دون أهلها، كذلك خصها بصداقها دون أبيها أو وليها، وأعطى لها الحق في الميراث، وجعل من وأد البنات جريمة كبرى، وأعطى للنساء الحق في التعليم مثل الرجل، وغير ذلك من الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة.
كما أن النبي اهتم بوضع المرأة وأعطى لها مكانة كبرى في الإسلام سواء دينية أو اجتماعية، وأوصى عليها كثيرًا وأنصفها بشكل دائم، الأمر الذي ساهم في تقويض النظام الأبوي الذي كان سائدًا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أعطى الإسلام المساواة وأقرها للجميع دون اسثتناء، وفق "الحبري"، فلم يُفرق بين كبير وصغير، أو بين أبيض أو أسود، أو بين عربي أو أعجمي، أو بين رجل وامرأة، وجعل معيار التمييز معيار ديني أخلاقي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]، فهدم الإسلام بذلك الولاءات الشخصية المبنية على القبلية وعلى النسب وتمكن من القضاء على النظام الأبوي، وأحل مكانه الولاء الديني المبني على المبادئ الدينية الأخلاقية، فكان معول هدم للنظام الأبوي، حسب قولها.
وتقول "الحبري" إن النبي اجتهد في القضاء على النظام الأبوي السائد قبل الإسلام، واستعاد العديد من حقوق المرأة المسلوبة، وحض المسلمين على ذلك ووعدهم ثوابًا عظيمًا إن حافظوا على حقوق المرأة؛ إلا أنه بعد وفاة النبي حاول الكثير من العرب أن يعودوا إلى سيرتهم الأولى على وجهين: الأول، الارتداد عن الإسلام الذي تسبب في حروب الردة واستطاعة المسلمين القضاء على هذا التمرد الديني بعد وفاة النبي، إلا أنهم لم يستطيعوا منع النظام الأبوي من العودة للسيطرة على المجتمع الإسلامي، لتصبح الأمور كما كانت عليه في الجاهلية، وانتشر النظام الأبوي منذ ذلك الحين إلى وقتنا الحالي، عكس ما كان يحدث في زمن النبي.
تعدد الزوجات
تذهب "الحبري" إلى أن النظام الأبوي الذي ساد في الإسلام، عقب وفاة النبي، وعهود الإسلام الأولى، عاد إلى ما كان عليه في الجاهلية من حيث القهر النساء، واعتُمدت سياسات ضدهن مثل الحجاب وعزل المرأة وتقييد النساء، ووضعهن في مرتبة أقل من الرجال، وأنهن لا يستحققن المساواة مع الرجال، الأمر الذي تحول إلى قوة قهر وجبر كبيرة ضد المرأة، استمرت في التراث وفي مراحل التاريخ المختلفة حتى العصر الحالي، حسب قولها.
وتفند "الحبري" مسألة تعدد الزوجات، لتصل إلى فردية الزواج، معتمدة في ذلك على تفسير القرآن الكريم وفقًا لمقاصد الآيات الخاصة بالتعدد مجتمعة، فالآيات القرآنية التي تتحدث عن تعدد الزواجات تضع شرطًا هامًا وهو العدل: ﴿... فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً...﴾ [النساء: 3]، بينما في آية أخرى توضح استحالة تحقيق العدل: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ...﴾ [النساء: 129]، وبما أن شرط العدل لن يتحقق فمقاصد القرآن الكريم هو فردية الزواج وليس تعدده، حسب قولها.
وترفض "الحبري" القول بإباحة تعدد الزوجات اهتداءً بالنبي، والتعلل بزواج النبي بأكثر من زوجة، فترى القرآن الكريم يقر بأن النبي وزوجاته ليسوا كأحد من الرجال أو النساء، ولا تنطبق علي نساء النبي العديد من الأحكام التي تنطبق على باقي نساء المسلمين، فالنبي كان يدعو النساء الأرامل والمطلقات إلى الزواج، بينما كان محرم على زوجاته الزواج بعد وفاته، فهن "أمهات المؤمنين" ولا يحل لمسلم أن يتزوج أمه، فلا يجب التعلل بزواج النبي بأكثر من زوجة لما فيها من خصوصية له ولنسائه أمهات المؤمنين؛ وتخلص "الحبري" إلى أن قضية تعدد الزوجات تمثل نموذجًا لسلطة النظام الأبوي وتفسير القرآن وفقًا لهذا النظام، الذي يجب التخلص منه حسب قولها.
إشكالية الطلاق
ترى "الحبري" إن منح حق الطلاق للرجل دون المرأة واستخدام الرجل للطلاق بشكل يمثل سلطة تعسفية ضد المرأة، يبرز إشكالية يمكن إيجاد حل إسلامي لها مستمد من الدين ذاته، فعقد الزواج هو عقد بين شخصين، يمكن إضافة أي شرط للطرفين عليه، ما يُمكن المرأة أن تشترط ما تشاء، مثل عدم زواجه عليها بزوجة ثانية، أو تطليقها تلقائيًا إذا تزوج عليها، أو غير ذلك من الشروط التي لا تتنافى مع الإسلام وتمكن المرأة من حفظ حقوقها، وعدم استخدام الطلاق معها بشكل تعسفي، حسب قولها.
تطالب "الحبري" بتعديل عقد الزواج السائد في المجتمع العربي الذي لا يختلف في أي دولة عربية عن أخرى، الأمر الذي يُعد نموذجًا لسيطرة النظام الأبوي التراثية الممتدة لصالح الرجل دون المرأة، فتنادي بأهمية تعديل عقد الزواج بما يتناسب مع الإسلام ويحافظ على حقوق الطرفين على السواء الرجل والمرأة، وليس الرجل دون المرأة، حسب قولها.
وتذهب "الحبري" إلى أن مبدأ القوامة الذي ورد في الآية: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ...﴾ [النساء: 34]، يعني أن الإرشاد المعنوي مرتبط بالإنفاق، فإذا سقط هذا الشرط سقطت القوامة، حسب قولها.
وتنتقد التفسيرات التراثية الأبوية للقرآن التي تتسم بالذكورية فيما يتعلق بالقوامة، إذ عرفت التفسيرات الأبوية كلمة "قوامون" بمعنى الحماية والإعالة، وأن القوامة تعنى إدارة شؤون المرأة من قبل الرجال بسبب تفوقهم في العقل والقوة، وهي تفسيرات غير صحيحة وانطلقت من موقف اجتماعي ذكوري سائد وقتها، حسب قولها.
تقول "الحبري" إن معنى القوامة في القرآن، يرد في الآية: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ...﴾ [التوبة: 71]، فترى أن "أولياء" التي وردت في الآية تأتى بمعنى المسؤولية والإرشاد وتأخذ نفس معنى "القوامة"، والآية تحمل معنى أن يكون الرجال أولياء للنساء، وأن يكون النساء أولياء للرجال، ما يبطل المعنى التقليدي الأبوي للقوامة؛ وأن القوامة تأتي بمعنى الإرشاد المعنوي والمسؤولية الأخلاقية، يؤكد ذلك القرآن الكريم الذي يؤكد على المساواة بين الرجال والنساء، وكذلك الأحاديث النبوية، حسب قولها.
قراءة جديدة
تقول "الحبري" إن النساء العربيات استطعن في العصر الحديث، بعد ظهور الحركة النسوية العالمية استعادة بعض حقوقهن، لا سيما وأن اعتناق بعضهن النسوية وتطويعها لخدمة العالم الإسلامي، أعطى النساء القدرة على المطالبة بحقوقهن المسلوبة، فنجحن في استعادة بعض حقوقهن، واجتهدن في محاولة إحياء الرغبة في العودة إلى أيام الإسلام الأولى، لا سيما الفترة التي كان النبي على قيد الحياة، قبل سيطرة النظام الأبوي على الإسلام، بعد وفاته.
ترى "الحبري" أن النظام الأبوي الذي ساد العالم الإسلامي بعد وفاة النبي، يمكن حله والقضاء عليه نهائيًا وبالتالي حل إشكاليات المرأة في الإسلام، عبر منهجين:
- إعادة تفسير القرآن وقراءته، وفقًا لمقاصده ومبادئه العامة والجوهرية، مثل الحرية والعدل والمساواة، وتفسير الآيات المتعلقة بالمرأة تفسير مقاصدي، يوضح ما المقصود منها دون الالتزام بالتفسيرات الحرفية التي فرضها النظام الأبوي، مع الوضع في الاعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية أثناء نزول الآيات وما قبلها، ومراعاة الفروق التاريخية والتطور بعد ذلك، حسب قولها.
- التصدي للمشروع الأبوي، عبر استلهام الشكل الحقيقي للإسلام في الفترة التي عاش فيها النبي، ومحاربته النظام الأبوي، والتركيز على منهج النبي مع النساء ومساواته لهن مع الرجال، لا سيما وأن النبي جاء بمفاهيم جديدة ثورية ضد أوضاع النساء السائدة في المجتمع الجاهلي، إلا أن النظام الأبوي انقلب على ذلك العهد عقب وفاة النبي، حسب قولها.
وختامًا، فالمنهج الفكري عند "الحبري"، هو منهج يعتمد على الدراسة التاريخية النقدية، وتحليل الظواهر التاريخية اجتماعيًا وسياسًا واقتصاديًا، لمعرفة أسباب نشأة هذه الظواهر واستمراريتها وصلاحيتها من عدمه، الأمر الذي استخدمته في دراسة وضعية المرأة في الإسلام بدءًا من الجاهلية السابقة له، الأمر الذي مكنها من معرفة أصل الإشكاليات الخاصة بالمرأة، ومكنها من وضع حل لها من الإسلام ذاته يتفق وروحه وجوهره.