عزيز العظمة:

إنجاز الحداثة العربية عبر العلمانية

مركز حوار الثقافات

05-12-2024

عزيز العظمة:

إنجاز الحداثة العربية عبر العلمانية

العلمانية بمفهومها الواسع والمتعدد والممتد تاريخياً وفكرياً، قوام رئيسي بنى عليه المفكر السوري عزيز العظمة (1947م)، مشروعه الحداثي، فقد رأى أنها –العلمانية- صالحة للإسلام كما هي صالحة لكل دين؛ ويرصد مظاهر العلمانية في القرآن الذي خلا من أي نموذج من نماذج النظام السياسي، ولم يُحدد أي شكل له؛ كما خلا التراث، حتى ظهور تيارات الإسلام السياسي وجماعاتها في العصر الحديث، من محاولة استنباط نظام سياسي من القرآن.

"العظمة"، الحاصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، ربط بين قدرة العلمانية على النقد والتحليل العقلي، وتفسير الظواهر التاريخية والتراثية وربطها بالسياق الكوني العالمي، وبين إمكانية تحقيق النهضة الحداثية العربية، لا سيما وأن للعلمانية قدرة على تجاوز سلبيات التفكك المجتمعي، الذي أحدثه الخطاب الأصولي الإحيائي لتيارات وحركات الإسلام السياسي.

امتد المشروع الفكري الحداثي، عند "العظمة"، خلال خمسين عاماً من العمل الأكاديمي في جامعات عربية، مثل جامعات بيروت والكويت والشارقة وجامعات عالمية أخرى، ووضعه تباعاً في العديد من كتبه التي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، وتُرجمت إلى العديد من اللغات، ومنها: "العلمانية من منظور مختلف"، و"الإسلام والحداثة" و"العلمانية في الفكر العربي الحديث"، و"الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية"، و"ابن خلدون وتاريخيته"، و"إفصاح الاستشراق.. المستقبل العربي"، و"المنتخب من مدونات التراث"، و"الأصالة أو سياسة الهروب من الواقع"، وغيرها، إضافة إلى العديد من الأبحاث العلمية والمقالات المختلفة.

مفهوم العلمانية

تميزت دراسة "العظمة" للتاريخ العربي، باستخدام منهج التحليل الاجتماعي والفكري للتاريخ ومساراته، والنظر إلى الوقائع التاريخية دون فصل أحداثها عن التاريخ العالمي أو وضعها بمنأى عنه، وذلك حتى يضع التاريخ العربي في سياق التاريخ الكوني، ما يُمكن من الفهم والتحليل بشكل أعمق.

يقول "العظمة" إن هدفه من دراسة التاريخ العربي ووضعه في سياقه الكوني، دراسة العلمانية في العالم العربي، التي يرى أنها نتاج امتداد تاريخي ومحصلة معرفية كبيرة، فيبرز تنوعها "وأنماط ارتباطها الفعلية بالدولة والدين، ودراسة لحظات من تراثنا، نلمح فيها حقيقة علاقة الدنيا بالدين في مجالات السياسة والتشريع، وبناء المؤسسة الدينية ودورها".

ويرى "العظمة" أن مفهوم العلمانية شامل "بالغ التعقيد والتنوع وله وجوه متعددة"، يرتبط بعملية الحداثية، ولا يمكن الحديث عنه إلا عبر الرجوع إلى التاريخ ووجهته الكونية، ويرفض القول بأن العلمانية صالحة ومرتبطة بدين دون غيره، كما يرفض القول بأن الإسلام له خصوصية ينفرد بها عن غيره من الأديان، بما لا يُمكن من تطبيق العلمانية في العالم الإسلامي؛ فالعلمانية: "ليست وصفة جاهزة تُطبق أو ترفض"، حسب قوله.

ويوضح "العظمة" أن الإسلام كباقي الأديان لا يقوم دون مؤسسة دينية، لأن انعدامها يسمح بالخروج عن الطبائع الاجتماعية للدين، وظهر تأثير المؤسسة الدينية الإسلامية في مجالات اجتماعية وتدخُّلات عدة، مثل القضاء والعبادات، ووُجدت في التاريخ الإسلامي فئات اختصت بالمؤسسة الدينية، ما يؤكد تنامي السلطة الدينية وسيطرتها في التاريخ الإسلامي، ما يفسر تراجع العقل والعلمانية في مراحل كثيرة من التراث، وفقاً لقوله.

التعليم والعلمانية

إصلاح عملية التعليم الذي بدأ في القرن التاسع عشر، تمثل في تغيير المناهج لسد احتياجات الدولة والمجتمع، وفق "العظمة"، وساهمت جهود تحديث العملية التعليمية في انتشار العلمانية التي هدفت إلى تحويل الدولة إلى الأفكار الحديثة، كما انتشرت حالة الترجمة من الحضارة الغربية، التي كان لها دور في نشر العلمانية وقتها، حسب قوله.

يقول "العظمة" إن التحولات الثقافية التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، أدت إلى التحرر من الثقافة التقليدية التراثية السائدة، وأنتجت العديد من المعارف المرتبطة باحتياجات الدولة والمجتمع؛ ورغم أنها لم تكن شديدة العمق فإنها تضمنت معارف وعلوماً حديثة، ولم يكن لها دخل بالدين ولم تقترب منه بشكل كافٍ.

ويذهب "العظمة" إلى أن مظاهر العلمانية التي جرت في الوطن العربي، في منتصف القرن التاسع عشر، أدت إلى ظهور ثقافة جديدة، وأعطت للعقل سلطة جديدة تقابل السلطة المعرفية السائدة تراثياً وتاريخياً، ونتج عنها ظهور عدد من المفكرين والإصلاحيين العلمانيين والإسلاميين، وظهر خطاب الإصلاح الإسلامي والخطاب العلماني، الأمر الذي برز واضحاً مع محمد عبده الذي مثل تيار الإصلاح الإسلامي، وشبلي شميل، الذي مثل تيار العلمانية الصريحة في رفض الإصلاحات الدينية والاعتماد على الفكر العلمي دون غيره.

ثمة مظاهر ارتباط وثيق بين ظهور الدولة الحديثة في العالم العربي، وبين العلمانية عند "العظمة"، الذي يرى أن الارتباط بين الدولة الحديثة والعلمانية هدف الى الخروج بكليهما من المحلية إلى الكونية، واعتمد على السياق التاريخي وأحداثه والتحولات الفكرية والسياسية والقانونية والاجتماعية، حسب قوله.

ويقول "العظمة" إن الخطاب النهضوي في القرن التاسع عشر الذي بدأ تزامناً مع ظهور الدولة الحديثة في العالم العربي، بشقيه الإصلاحي والعلماني، اشترك في أنه تجاوز الحدود المكانية والجغرافية، وجعل من ضمن مرجعياته الأساسية الحضارة الغربية، عبر الأخذ بالمناهج والعلوم الحديثة، لا سيما وأن الفكر لا ينحصر في رقعة جغرافية، كالعلمانية التي لا تنحصر في دين و/أو فترة زمنية، حسب قوله.

الأصولية والسياسة

يوضح "العظمة" أن الأصولية تجعل من أساسياتها وأهدافها مغادرة الحاضر، والعودة زمنياً إلى الخلف، وتتجاوز التغييرات التاريخية والحضارية التي حدثت فيما يزيد عن ألف عام، فتسعى إلى: "إعادة تكوين الحاضر على صورة زمانية قديمة غير صالحة"، وتحاول فرض الإعادة إلى النشأة ضد التغيرات التاريخية والواقع المعاصر، ما يمثل ردة حضارية تتجاوز الثبات إلى الانحدار الحضاري، حسب "العظمة".

ويرى "العظمة" أنه لا يوجد بالقرآن شكل محدد لأي نظام سياسي؛ إذ إن المسلمين قبل ظهور تيارات الإسلام السياسي، ورغم استخدامهم بعض النصوص الدينية في الانتصار لمواقفهم السياسية أو المذهبية، لم يحاولوا قبل عصر الإصلاح الإسلامي والحداثة المتزامن مع ظهور تيارات الإسلام السياسي، استمداد أي شكل من أشكال النظم السياسية من القرآن، على عكس بعض منظري الجماعات الإسلامية والتيارات المتطرفة، الذين حاولوا بناء نموذج سياسي منهجي من القرآن -رغم عدم تضمنه له- ثم فرضه على المجتمع، حسب قوله.

ويقول "العظمة" إن تيارات وجماعات الإسلام السياسي تعيش حالة انفصام عن الواقع، يتضح في استخدامهم مصطلحات ذات صبغة دينية مثل "الهجرة" إلى خارج المجتمع، ما يُناقض ادعاء هذه الجماعات أن هدفها هو تصحيح المجتمعات وتقويم المجتمعات، ويناقض خطابها الأصولي الذي يدعي أنها تعمل لصالح المجتمع، عبر فرض نموذج إسلامي للدولة، في وقت تستخدم مصطلحات ذات صبغة دينية تبرر بها مخاصمتها للمجتمع ومغايرتها له لدرجة تصل للعداء، ما يوضح حالة الانفصام عن الواقع التي تعيشها تلك التيارات، حسب قوله.

انفصام الجماعات الإسلامية وخطابها الأصولي، عند "العظمة"، الذي حدث نتيجة ازدواجية منهج هذه الجماعات ومعاداتها المجتمع العربي الحاضن لها، فضلاً عن المجتمعات المغايرة، تسبب في فرض اتهام عالمي غير حقيقي للإسلام بأنه يؤصل للعنف ويدعو إلى الإرهاب، بينما العنف والإرهاب لا علاقة له بالإسلام، بل هو ناتج عن فهم خاطئ وفعل مخالف للإسلام من بعض الجماعات الإسلامية والمسلمين، وهو اتهام لم يُفرق بين الإسلام وبين الفهم الخاطئ له، كما أن هذا الاتهام يخلو من ملاحظة أن الإرهاب مشكلة عالمية منتشرة لا علاقة له بالدين.

العقل المعرفي

ينتقد "العظمة" ما وصفه بـ"ضمور العقل المعرفي"، الذي أدى إلى ضمور الخطاب الثقافي والمعرفي في الحداثة العربية؛ بسبب رفض المنهج النقدي التاريخي للذات والتراث، ووقف عائقاً أمام إعمال الفهم التقدمي للتاريخ. وفساد "نكوص عقلي" في العالم العربي، مثل حائطاً منيعاً أمام مشاريع الحداثة، التي من سماتها أنها نتاج سيرورة تاريخية عقلية ممتدة إلى الحالات الاجتماعية والمعرفية، وفق قوله.

ويقول "العظمة" إن من نتائج نكوص العقل العربي، ظهور الحركات الإحيائية التي تطالب بالعودة إلى الأصول التراثية، وتستدعي نموذجاً تراثياً قد يكون صالحاً في زمانه، إلا أنه لا يصلُح لزمان آخر، دون وجود أي محاولة من هذه الحركات في التفكير في حتمية التقدم وقدرة البشر على فعله، وتسبب رفضهم لفكرة التقدم رفض العلمانية التي بإمكانها تفسير الدين وفهمه، والتعامل معه وإزالة الغموض من مفرداته، لوضع بناء تحليلي له، لا يملك رجال الدين ولا أصحاب الحركات الإحيائية أدوات لفهم العلمانية وتحليلها، ما يدفعهم إلى وصمها بتهم مثل اللادينية والزندقة، حسب قوله.

المنهج النقدي

في مشروعه لتحقيق الحداثة، اعتمد "العظمة" على المنهج النقدي، ومارسه على مستويات؛ نقد الأفكار في ذاتها، ونقد الأفكار وفق الظروف الاجتماعية والتاريخية والسياسية، ونقد تناول الأفكار على المستوى التاريخي أو على المستوى الفكري، لدى بعض المفكرين والباحثين، كما حرص على نقد الأنا العربية والذات التراثية ونقد الحضارة الغربية.

ويرى "العظمة" أن المنهج النقدي يمثل بداية لمشروع حداثي يحتاجه العالم العربي، بقدرته على تحليل الخطاب الأصولي الذي ادعى اكتفاءه بذاته في تحقيق ما وصفه أصحابه بأنه نهضة إحيائية، تتمثل في استحضار الماضي التراثي؛ الأمر الذي تسبب في تفكك المجتمعات العربية، وساهم بشكل كبير في الاتجاه نحو التخلف الاجتماعي والتراجع الثقافي.

وحتى يمكن البدء في المشروع الحداثي، يوضح "العظمة" أهمية الانطلاق من العلمانية التي تشترك مع الحداثة في العودة للتماثل الاجتماعي، ومغادرة سياسة الهوية المرتبطة بتسييس الإسلام، بما لها من تأثير سلبي على الفئات الاجتماعية يمكن تجاوزه عبر الخطاب العلماني؛ حسب قوله.

ويمتد النقد الحداثي للتراث العربي الإسلامي، عند "العظمة"، إلى تأثيراته في العصر الحديث، التي تمثلت في الحركات الإحيائة التي انغلقت بخطابها الأصولي على التراث، بهدف الرجوع النموذجي إلى الماضي، دون مراعاة التفاوت الزمني والتطور التاريخي على مدار ألف عام، وتسبب في انتشار تيارات الإسلام السياسي وجماعاتها التي تسببت في تفكك المجتمعات العربية، وانتشار العنف والإرهاب ووصم الإسلام بهما.

وختاماً، حاول "العظمة" في مشروعه الحداثي تفتيت الأصول التراثية للإشكاليات الحضارية السائدة في العالم العربي، ومنها تفشي الخطاب الأصولي، ومنهجية العنف، ومعاداة المجتمع لدى الجماعات الإسلامية؛ فعمد إلى تحليل التاريخ العربي وإخراجه من الانغلاقية والاكتفائية التي وضعهما فيه الخطاب الأصولي والحركات الإحيائية وتيارات الإسلام السياسي، لوضعه في السياق التاريخي للإنسانية وتضمينه في الكونية التاريخية، حتى يمكن تخطي حالة الجمود والرغبة في العودة للماضي، والانحدار الحضاري الذي يهوي إليه العالم الإسلامي، عبر علمانية عقلية تكون سبباً في تحقيق الحداثة العربية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة