لبنات الشرفي:

الأصولية وفشل المشروعات الحداثية

مركز حوار الثقافات

02-01-2025

في كتابه "لبِنَات"، يرصد المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي (1942م)، عجز العالم الإسلامي عن اللحاق بالحضارة الغربية ومواكبتها، ويذهب إلى انغلاق البنية العقلية العربية، التي يمكن بتجاوزها بدء تحقيق مشروع الحداثة الذي يحتاج إليه العالم العربي.

وينتقد "الشرفي" في كتابه المشاريع الحداثية العربية، التي لم تصل إلى قلب المجتمعات، ولم تتجاوز قشرتها الداخلية، الأمر الذي أفسح المجال للتيارات السلفية والحركات الأصولية في الساحة العربية، فانتشر خطابها، وادَّعى أصحابه أنه كافٍ لتحقيق النهضة العربية، فيما يرى الشرفى أنه يمثل قمة الانهيار الحضاري للعالم العربي، بمحاولته الإحيائية للماضي، الذي هو سبب رئيسي للمشكلة الحضارية.

أزمة الحداثة

يهدف المشروع الحداثي لـ"الشرفي" إلى تحقيق النهضة العربية، وإزالة المعوقات التراثية والفكرية والمعاصرة التي تقف حائلاً أمام الحداثة العربية؛ وشمل المشروع النهضوي الذي تبناه "الشرفي" كتابَه "لبِنَات"، ومعظم مؤلفاته التي كتبها باللغتين العربية والفرنسية، مثل: "الإسلام والحداثة"، و"الظواهر الحضارية في تونس القرن العشرين"، و"المسلم في التاريخ"، و"الإسلام بين الرسالة والتاريخ"، و"الواقع الديني"، و"الثورة والحداثة والإسلام"، وغيرها.

ويبحث كتاب "لبنات" أزمة الحداثة العربية وعلاقتها بالمجتمع، ويطرح تساؤلاً عن أسباب عجز المجتمعات العربية عن الوصول إلى الحداثة، باحثاً عن طبيعة العجز العربي عن تحقيق الحداثة.. هل هو عجز مطلق ودائم، أم عجز مُسبَّب ببنية فكرية مغلقة في العقل العربي، تمنعه من القدرة على الحداثة؟ 

يوضح "الشرفي" أن المجتمعات العربية في حاجة إلى مشروع حداثي يلبي تطوراتها واحتياجاتها، وأن المشاريع الحداثية والتجديدية لم تتجاوز القشرة الخارجية للمجتمعات العربية؛ لأسباب منها: عوامل خارجية تتمثل في الاستعمار الذي ضرب العالم العربي، وأعجزه عن استكمال مشروعه الحداثي، وفق قوله.

ويقارن المؤلف بين المشروع الحداثي في الغرب، الذي تمكن من الوصول بالحضارة الغربية إلى الحداثة، وبين المشروعات الحداثية في العالم العربي، التي لم تتمكن من الوصول إلى نفس الهدف؛ فيرى أن الحداثة الغربية حدثت وفق تطور ذاتي داخلي، بينما مشاريع الحداثة العربية تمثلت في كونها محاولات تهدف إلى تقليد النموذج الغربي، وفرض النُّسُق الغربية التي رغم صلاحيتها للغرب لا تصلح للعالم الإسلامي كما هي، وفق قوله.

العالم الغربي، وفق "الشرفي" في كتابه "لبنات"، تمكَّن من تحقيق الإصلاح الديني والتصدي للاستبداد الفكري، ما شكَّل قاعدة في تطور المجتمعات الغربية، وصلت بهم إلى الحداثة في مختلف الميادين، بينما عجز العالم العربي عن تفعيلها في مجتمعاته، ولم يتمكن من تحقيقها، ولم تتجاوز المشروعات التجديدية القشرة الخارجية للمجتمعات العربية، رغم إمكانية تجاوز هذه القشرة إلى الصميم المجتمعي، الأمر الذي تسبب في انهيار حضاري عربي، حسب قوله.

فالمجتمعات العربية تعيش تحولات متسارعة في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وتعاني من ازدواجية بين سيطرة الثقافة المنتمية إلى الماضي التراثي، التي تمثل قيم الماضي من جانب، وبين الحضارة المتقدمة وثقافتها الغربية الحداثية من جانب آخر، وهو أمر عانت منه الحضارة الغربية في تحقيق حداثتها، التي عانت من ردات ثقافية وحضارية وصراعية حتى تمكنت من تحقيق مشروعها الحداثي، الأمر الذي لن يحدث في العالم العربي إلا عبر "مجهود متواصل، يتجاوز تقليد الحضارة الغربية، أو التزام تقليد الماضي إلى فعل عربي يسعى إلى تحقيق قيم مثل الحرية والمدنية"، حسب "الشرفي".

صعود الأصولية 

يرصد "الشرفي" صعود التيارات الأصولية والحركات السلفية، وانتشارها في العالم العربي، واكتساح خطابها المجتمعات العربية، ويقول: "أعلى ذُرى تجليات الانهيار الحضاري" هو محاولة إعادة العالم العربي إلى ماضٍ تراثي مندثر، يضع المجتمع العربي في قوالب جامدة تقف حائلاً ضد مكتسبات الحداثة، وفق قوله.

1- فراغ ملأته الأصولية: عجْز العالم العربي عن تحقيق الحداثة، كان من أسبابه التيارات الأصولية والحركات السلفية، فقد أحدث فراغاً اجتهدت التيارات السابقة في ملئه، فقدمت نفسها باعتبارها مشروعاً بديلاً للحداثة قادراً على إنقاذ العالم العربي، رغم كونه سبب المشكلة الحضارية.

2- إلغاء مظاهر الحداثة: يرى "الشرفي"، في "لبنات"، أن الحركات الأصولية نجحت في إلغاء مظاهر الحداثة التي شهدها العالم الإسلامي جزئياً، وتمكنت من تقليص مظاهر العلمنة، وسعت إلى فرض قوانينها التي تدعي أنها "تطبيق للشريعة الإسلامية"، ما يمثل فشلاً جزئياً للعلمنة في المجتمعات العربية.

ويوضح الكاتب أن انتشار خطاب التيارات الأصولية والحركات السلفية، أعطى صورة مغايرة للإسلام تبرر العنف، سواء في خطابها، أو عبر ممارساتها العنيفة ضد المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الأخرى؛ واعتمدت تلك التيارات في تبريرها العنف على قراءة النص القرآني، متجاهلة مع ذلك المبادئ والقواعد القرآنية، فحوّلوا ما هو مقيّد في القرآن بزمان ومكان معين إلى أوامر كونية مطلقة غير مرتبطة بالزمان والمكان، مثل الآيات التي نزلت في الحروب الإسلامية في العهد النبوي وكانت مقيّدة بزمانها، فخلطوا بين حالة الحرب ورد الاعتداء وبين السلم، وفرضوا هذه الرؤية على عكس حقيقة الآيات القرآنية التي استخدموها في تبرير العنف، حسب قوله.

3- فشل جزئي للعلمنة: يذهب المؤلف إلى أن الفشل الجزئي للعلمنة في العالم العربي، لا يعني فشلها بشكل مطلق في كونها طريقاً لتجاوز الجمود والتخلف العربي، ولا يعني أنها فشلت في أن تصبح سبيلاً للخلاص من ربق التجمد والتخلف، لا سيما وأن الإسلام يتضمن في مبادئه وجوهره العلمنة وقيمها، حسب قوله.

وأضاف أن الأزمة في العالم العربي مع العلمنة، أزمة تراثية، لا علاقة للدين الإسلامي بها؛ فالإسلام بما له من قابلية للتطور يتضمن العلمنة ومفاهيمها في أساسياته، منها ما وصفه "الشرفي" بـ"معقولية الشريعة"، أي الإسلام بما فيه من قواعد أخلاقية وقوانين إنسانية. 

4- رجال الدين والعلمنة: من أسباب أزمة العلمنة في العالم العربي، حسب "الشرفي"، ما فرضه رجال الدين من سُلطة على المجتمع، نزعت عن الدين جوهره الروحي والإنساني والأخلاقي؛ إذ أقحموا فهمهم للدين في تفاصيل دنيوية لا تتحمل هذا الفهم، فأبعدوا الدين عن دوره الرئيسي، وعمدوا إلى استغلاله لصالح مآربهم، وفق قوله.

5- قراءات وتفاسير تراثية: يعوّل "الشرفي" على المؤسسات الدينية في إيجاد إصلاح ديني حقيقي، يناسب "التحولات المعرفية والإنتاجية التي تشهدها المجتمعات الإسلامية والعالم عموماً"، ويطالبها بأن "تُعيد النظر في وظيفتها وسلوكها ومجال عملها، بأن تحاول وضع خطاب جديد منسجم يعتبر المعرفة الحديثة"، حسب قوله.

ويرى المؤلف أن القراءات والتفاسير القرآنية التراثية لم تستوفِ في قراءتها القرآن "كوامن النص والقارئ"، ولم تراعِ حدود النص، وتداخلت مع المجتمعات التراثية، فأصبحت أي قراءة مغايرة كأنها ضد المجتمعات التراثية التي أقرت القراءة السابقة، وأصبحت القراءة المغايرة كأنها ضد المجتمع تحاول تفكيكه، الأمر الذي قوبل برفض شديد واتهامات شملت التكفير، الأمر الذي يجب إلغاؤه وأي آثار له، وفقاً لـ"الشرفي".

قراءة جديدة

يطالب "الشرفي" بقراءة جديدة للقرآن تُفرق بين قواعده العامة ومبادئه الروحية الصالحة لكل زمان ومكان، وبين الأحكام والقواعد الزمنية المقيدة بظروف معينة، رافضاً نزع السياق التاريخي عن الآيات التي تتضمن أحكاماً، واستخدامها لتبرير العنف والقتل، فهذه القراءة الجديدة للقرآن تنفي عنه صفة تبرير العنف، ويمكن الانطلاق من هذه القراءة الجديدة لتحقيق التجديد والإصلاح الديني، ونقد الفكر التراثي وما تولد عنه في مجتمعاتنا المعاصرة.

ويدعو "الشرفي" إلى تجاوز المعركة الدائرة حول الاجتهاد الديني والتقليد، إلى بدء الاجتهاد مباشرة؛ فبالاجتهاد يمكن إزالة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، على أن يتصف هذا الاجتهاد الديني بـ"الجمع بين مقتضيات القيم القرآنية الخالدة، والقيم التي أفرزتها الحداثة، دون التنكر لما هو صالح من النظريات والحدود التي فرضتها الممارسة التاريخية للإسلام، ودون الخشية من طرح ما هو غير صالح".

وختاماً، يرى المؤلف العلمنة سبيلاً هاماً لتحقيق الحضارة العربية، والعمل بمقتضاها وفقاً لـ"الشرفي" في كتابه "لبنات"، له أصول وقواعد إسلامية، ما يُسهل التعاطي معها، وطرحها تراثياً، وفي الوقت المعاصر، بسبب انتشار الخطاب السلفي، الذي حاول ملء الفراغ الفكري بسبب عدم قدرة المشروعات الحداثية على الوصول إلى قلب المجتمعات العربية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة