يتقاطع المشروع الفكري للمفكر الجزائري لكحل فيصل، الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن خلدون الجزائرية، مع الإشكاليات التي تواجه العقل العربي الحديث؛ إذ يسعى إلى نقد التراث وتأسيس الحداثة وبناء الدولة المدنية، متأثراً بالفلسفة الغربية المعاصرة، وخاصة بالأنطولوجيا عند الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (1889-1976م)، فضلاً عن مشاريع نقد العقل العربي والإسلامي.
يمارس فيصل المساءلة الإبستمولوجية المعرفية للخطاب الفكري والديني العربي، ويدعو إلى إلى تحرير العقل وترسيخ العقلانية والتنوير، باعتبارهما شرطين رئيسين لأي نهضة حضارية؛ وقد وضع مشروعه الفكري في عديد من المؤلفات والدراسات، منها: "مشروع الحداثة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر"، و"إشكالية تأسيس الدزاين في أنطولوجيا مارتن هيدغر"، و"مشكلة الهوية بين قيم التراث والعولمة: قراءة في الفكر العربي المعاصر"، و"التصوف من منظور إسلامي قراءة في الدلالات والأبعاد"، وغيرها من المؤلفات الفكرية والدراسات العلمية.
قراءة جديدة
يستخدم فيصل النقد الراديكالي "الجذري"، كمدخل للتحرير الفكري والنهوض الحضاري، فيدعو إلى مساءلة الأسس المنهجية والمعرفية التي يقوم عليها الفكر العربي، سواء في قراءة التراث أو تبني الحداثة، وذلك لتأصيل العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر. ويُبرز العلاقة بين الجدل والبرهان، واستعادة مفاهيم النقد والتاريخانية كركائز أساسية لبناء المشاريع الفلسفية والفكرية؛ وهو ينطلق من النقد المزدوج للتراث الذي "وصل إلى حد الموات والتفكك بسبب ركوده"، إضافة إلى نقد محاولات الحداثة العربية، تلك التي أخفقت في إنجاز مهمتها التاريخية.
ويتفق فيصل مع المفكر الجزائري محمد أركون (1928-2010م)، في نقد "العقل الإسلامي الأحادي"، الخاضع لفهم رجال الدين والفقهاء التقليديين للوحي، فيصف هذا العقل بأنه "يُنتج فهماً ضيقاً ومكبلاً للدين"، ما أدى إلى شلله طوال ألف عام، حسب قوله.
ويرى أن النهضة الحضارية لا تحدث إلا عبر "قراءة جديدة" ومغايرة للموروث الثقافي والديني، ويدعو إلى قراءة التراث الفلسفي العربي والإسلامي قراءة معرفية منهجية، تتجاوز التقديس وتستند إلى محورين: التراث بوصفه "سلطة راكدة"، أدت إلى الموات والتفكك، فأدى ثقل التراث إلى مُحاصرة الفكر النهوضي؛ والتراث بوصفه "كنزاً دفيناً"، يجب الكشف عن خباياه.
يقول فيصل، إن المنهج المطبق في قراءة التراث يجب أن يكون متغيراً ومتطوراً بفضل حركة النقد والمراجعة المستمرة، ويشدد على أهمية المنهج النقدي لحل "أقفال التراث" المكنون والكشف عن الحقيقة؛ فالتراث، عنده، يفقد قيمته الاستعمالية بمجرد أن يُستغل.
تحرير العقل
يُطالب فيصل بـ"تحرير العقل" من قيوده التقليدية، ويشدد على أهمية تغيير طريقة التفكير العربي بالاعتماد على المناهج والعلوم التي طورها العقل الغربي، في مجالات الإنسان والمجتمع والتاريخ؛ وهو يهدف بذلك إلى تأصيل العقلانية والتنوير في الثقافة العربية المعاصرة، واستعادة مفاهيم النقد والبرهان والحداثة والتاريخية، كركائز أساسية لبناء أي مشروع فكري فعال.
ويتماهى فيصل مع فلسفة هيدغر الأنطولوجية في "الديزاين/الكينونة"، التي تتجاوز المفهوم التقليدي للوجود، فيرى الإنسان كائناً حياً يتغير ويتطور باستمرار ويتفاعل مع العالم، ولا يكتمل وجوده البشري إلا بالانفتاح على المستقبل وإمكانياته؛ ويرفض ما يصفه بـ"نسيان المقاصد" و"استلاب العقل" تحت سلطة النقل الحرفي، ويسعى إلى التحرر من سيطرة الأيديولوجيا كمنطق للتفكير، لأنها تسببت في هيمنة "الهويات القاتلة" -وهو مصطلح استمده من أحد مؤلفات الأديب اللبناني أمين معلوف- كالطائفية والمذهبية والقبلية، كبديل للهوية الوطنية، فالتمترس الأيديولوجي سواء كان إسلاماً سياسياً متطرفاً أو قومياً حزبياً أحادياً، يعطل العقل الحر.
ويؤكد فيصل أن إصلاح الفكر والمجتمع لا يمكن إلا عبر إصلاح العقل والفكر الديني؛ ووفقاً له لا بد من تحرير العقل الفقهي عبر تجديد بنيته وتفكيكه للوقوف على المراحل التي حولت "المصادر اللانصية كالإجماع والقياس إلى مقدس"، ما أدى إلى تضخمه وتكلسه. ومن ثم، يشدد على أهمية فتح باب الاجتهاد المعاصر القائم على نقد العقل الإسلامي عموماً، وينادي بتجاوز القراءات الحرفية الظاهرية للنصوص، والتحول إلى رؤية مقاصدية للانتهاء من القياس التقليدي العقيم، الذي يربط العقل بقيود النقل ويعيق الإبداع وحل الإشكاليات المعاصرة.
أيضاً، يرفض فهم "الأصالة" بوصفها "جموداً تراثياً"؛ إذ يرى الأصالة: "قيماً أخلاقية وثقافية نابعة من أصالة المجتمع ودينه وتاريخه". ويدعو إلى بناء التوازن بين الأصالة والمعاصرة، والانفتاح الحداثي المنهجي على التجارب الفكرية المعاصرة؛ مع الحفاظ على الجوهر القيمي، وذلك عبر استعادة العقلانية والنقد. ويصف مشاريع الحداثة العربية بأنها مشاريع "مخفقة"، لم تعثر على حلولها الأساسية، ويُرجع هذه الإخفاق إلى "سلطة التراث الراكدة"، إذ إن ثقل التراث حاصر الفكر النهضوي، لذلك يجب تفعيل النقد والتخلص من السلطة الفكرية التقليدية.
الأزمة العربية
يوضح فيصل أن الأزمة العربية الراهنة تكمُن في الفهم الخاطئ والضيق للإسلام من جهة، وفهم العرب المسلمين للعلمانية على أنها إلحاد من جهة أخرى، ما يؤدي إلى رفض الآخر وتبرير ممارسة العنف ضده. ويؤكد أن العلمانية ليست رفضاً للدين، ولكن هي ضرورة تاريخية لإنهاء الصراع الديني في الساحة العامة وضمان المواطنة، ما يسمح للعقل بالتحرر من التسلط الأيديولوجي.
وبالتالي، يدعو إلى الحوار مع الآخر، والحوار الحضاري والتفاعل الحضاري كجزء من عملية الإصلاح، لا سيما أن الانفتاح على التجارب الفكرية المعاصرة ضروري للتحرر الفكري، وسبيل للخروج من نفق التطرف والصراع الطائفي. ثم يلفت الانتباه إلى أن العولمة تمثل تحدياً يتطلب تفعيل الآليات النقدية الذاتية حتى لا تؤدي إلى طمس الهوية الثقافية والقيمية، ويدعو إلى استغلالها كفرصة للانفتاح الحداثي المدروس.
وينتقد فيصل تيارات الإسلام السياسي الأيديولوجي، لأنها تمثل أحد العوائق الكبرى أمام بناء الدولة الحديثة، وتساهم في تغليب ثقافة اللاتسامح والنزوع إلى العنف والتطرف؛ ويوضح أن نقد الإسلام السياسي ليس نقداً للإسلام، وإنما هو نقد للأيديولوجيات التي شلت العقل وأفسدت الضمير، وحولت الصراع السياسي إلى صراع "مذهبي/طائفي". ويدعو إلى "المواطنة" كقيمة تأسيسية تتجاوز "الهويات القاتلة" ما قبل الوطنية؛ فالدولة المدنية "حل خلاصي" من جحيم الطائفية والصراع الديني، يتطلب التخلي عن "المنهجيات الفارغة" التي توهم العرب بأنهم مركز العالم.
كما يطالب بنقد عقلاني للتراث الديني لإعادة فهمه وتجاوز ثقافة رفض وتكفير الآخر، ويدعو إلى نقد الفكر العربي المُعاصر، أو ما وصفه بـ"نقد النقد"، لتصحيح مسار تحرر الفكر العربي لضمان جودة الأطروحات الفكرية المقبلة. وينتقد ما وصفه بـ"التعليم الماضوي" الذي يؤدي إلى الفشل في الممارسات الاجتماعية والثقافية؛ وينادي بإصلاح التعليم بوصفه ضرورة ملحة لمواكبة التطورات العالمية، مُشدداً على أهمية دمج العلوم الحديثة والمناهج الحديثة، مع تنقية العلوم الدينية وتوجيه القرآن والسنة ليكونا مصدراً لـ"السلام الداخلي والسمو الإنساني"، وذلك ضمن التجديد الشامل للثقافة العربية، خصوصاً بعد إخفاق المشروعات الحداثية العربية، التي يجب ممارسة النقد الداخلي عليها لتخطي هذا الإخفاق.
وختاماً، يهدف المفكر الجزائري لكحل فيصل، في مشروعه الفكري، إلى بناء الحداثة عبر "تأصيل العقلانية والتنوير" في السياق العربي، من خلال أدوات النقد الفلسفي المستمدة من الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلى رأسها الأنطولوجيا والإبستمولوجيا؛ فيسعى إلى تحرير العقل ونقد "العقل الأحادي" الفقهي، داعياً إلى النقد المزدوج عبر تطبيق نقد جذري على التراث الراكد الذي يعيق النهضة، ومساءلة نقدية للأيديولوجيات، سواء كانت دينية متطرفة أو قومية أحادية، التي عطلت عمل العقل الحر وأدت إلى "الهويات القاتلة".