نقد العقل الإسلامي:

محاولة في إعادة إحياء روح الاجتهاد 

مركز حوار الثقافات

08-01-2025

يُعتبر المفكر الجزائري محمد أركون واحداً من أبرز الأصوات الفكرية التي دعت إلى إعادة التفكير في التراث الإسلامي ودوره في العالم المعاصر. ويأتي كتاب "من الاجتهاد.. إلى نقد العقل الإسلامي"، ضمن أبرز الأعمال التي طرحت إشكالية نقد الفكر الديني الإسلامي، حيث يسعى أركون في هذا الكتاب إلى إعادة قراءة وتفسير التاريخ الفكري والحضاري للإسلام، من خلال منهجيات علمية حديثة، محاولاً التحرر من القيود التقليدية التي حكمت العقل الإسلامي عبر القرون الماضية. صدر الكتاب عن دار الساقي في بيروت، عام 1991. 

يتناول أركون في هذا الكتاب قضايا متعددة، تتعلق بالنقد العقلي والديني والاجتهاد الفكري، مقدماً رؤية تأملية في كيفية مواجهة التحديات التي يطرحها الفكر الإسلامي التقليدي، في سياق التحولات الحديثة.

مفهوم الاجتهاد

يحاول أركون في هذا الكتاب أن يُحدد مفهوم الاجتهاد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وكيفية الانتقال منه –بل وضرورة هذا الانتقال– إلى مرحلة نقد العقل الإسلامي. ويؤكد أركون أن هذا النقد باختصار يعني "النقد المنفتح على آخر مكتسبات علوم الإنسان والمجتمع، وخصوصاً مفهوم المُتَخيَّل أو الأسطورة، أو الحقائق السوسيولوجية الضخمة".

وفي سبيل التوصل إلى هذه الغاية، ينطلق أركون من مفهوم الاجتهاد، كـ"جهد فكري" مبذول في تفسير النصوص الدينية وتقديم حلول لقضايا مستجدة في المجتمع الإسلامي؛ مُعتَبِراً الاجتهاد جزءاً مهماً من التراث الفقهي والفكري في الإسلام؛ ولكنه يرى أن هذا المفهوم قد تم تهميشه أو تجميده في الفترات المتأخرة من تاريخ الإسلام. 

في هذا الإطار، يشير أركون إلى أن الاجتهاد كان أحد أعمدة الفكر الإسلامي حتى عصر معين، ولكن مع مرور الزمن وازدياد النزعة المحافظة في العالم الإسلامي، تم تقليص مساحة الاجتهاد والإبداع الفكري، مما أدى إلى سيطرة النزعات الجامدة والنقلية على العقل الإسلامي.

ويرى أركون أن الاجتهاد، كما مارسه العلماء في القرون الأولى للإسلام، لم يكن مجرد عملية فقهية تهدف إلى إصدار الأحكام الشرعية؛ بل كان أيضاً أداة للتفكير الحر والإبداع. لكن هذه الروح الاجتهادية تم إخمادها تدريجياً، ومعها توقف العقل الإسلامي عن الإنتاج المعرفي والفكري. ومن هنا، يدعو أركون إلى "إعادة إحياء روح الاجتهاد"، ليس فقط من خلال العودة إلى النصوص الفقهية القديمة، بل من خلال استخدام مناهج النقد العلمي والحداثي في تفسير النصوص الدينية.

العقل الإسلامي

من أهم القضايا التي يطرحها أركون في كتابه، هي مسألة نقد العقل الإسلامي، وهو النقد الذي يتجاوز حدود الفقه التقليدي، ليصل إلى مناقشة أسس العقلانية التي يقوم عليها الفكر الإسلامي برمته. إذ يعتبر أركون أن العقل الإسلامي، كما تم تطويره في القرون الوسطى، تعرض لتقييد شديد بسبب النزعات الفقهية واللاهوتية التي سيطرت على الفكر الديني. هذه النزعات، حسب أركون، حالت دون تطوير تفكير نقدي حر، وأدت إلى انتشار العقليات النصوصية والنقلية التي تعيق التفاعل مع الحداثة والعقلانية الحديثة.

يضع أركون نقده للعقل الإسلامي، الفقهي، في سياق نقد ما يُطلق عليه "العقل الدوغمائي"، الذي يرفض التجديد ويرى في كل جديد تهديداً للموروث؛ حيث يرى أن هذا العقل هو السبب الرئيس في تراجع الحضارة الإسلامية وتخلفها عن الركب العالمي؛ بعد أن أصبح التركيز منصباً على المحافظة على "التراث" بدلاً من تطويره أو التفاعل النقدي معه. ويضيف أن العقل الإسلامي، بتركيزه على الحفاظ على النصوص والشروح التقليدية، أهمل التساؤلات الكبرى المتعلقة بمسائل العدالة والحرية والعقلانية.

وفي إطار نقاشه حول العقلانية، يتناول أركون العلاقة بين الدين والعقل، حيث يشير إلى أن الفكر الإسلامي في القرون الوسطى كان يمتلك منظومات عقلانية متقدمة، مثل الفلسفة والكلام، لكن هذه المنظومات تعرضت للانحسار مع تقدم النزعة النقلية والمحافظة. ويرى أن العقلانية الغربية قد تفوقت على العقل الإسلامي، ليس لأن الغرب تخلى عن الدين، بل لأنهم نجحوا في فصل الدين عن السياسة، وتطوير أنظمة معرفية تعتمد على التفكير الحر والعلمي.

يدعو أركون إلى إعادة بناء العقلانية في الفكر الإسلامي، ليس عن طريق التخلي عن الدين، بل عن طريق تبني مناهج جديدة تفتح المجال للتفكير النقدي والحر، وتسمح للعقل الإسلامي بالتفاعل مع المعارف الحديثة.

الناسخ والمنسوخ

في هذا الجزء الذي يُناقش فيه أركون مفهوم الناسخ والمنسوخ، ينطلق من نقطة مفادها: "يمكننا أن نتوصل إلى الحقيقة التالية: إن المصدر الأساسي للفقه –وبالتالي القضاء– ليس هو القرآن، بقدر ما هو التفسير"؛ مؤكداً أن "الفقهاء قد قرأوا القرآن وفسروه بطريقة معينة، واتخذوا بعدئذ قراراتهم"، بحسب قوله.

واعتماداً على أن هؤلاء "قد استخدموا في تفسيرهم المعارف اللغوية والإخبارية السائدة في عصرهم"؛ لذلك يصل أركون إلى نتيجة مؤداها: "إن كل هذه الأدبيات تتطلب اليوم مراجعة وإعادة قراءة على ضوء التاريخ النقدي الحديث".

إلا أن أركون قد استخدم مفهوماً للنسخ يتفق مع ما اصطلح عليه الفقهاء الذين ينتقدهم، ولم يحاول تدبر الآيات القرآنية التي ورد فيها مصطلح "نسخ"؛ بل على العكس من ذلك، قال بأن "مصطلح النسخ موجود في القرآن بمعنى الإلغاء والإبطال"، وهو نفس المعنى الذي انطلق منه كثير من الفقهاء القدماء، ومن سار على دربهم من المحدثين. وفي هذا، اعتمد على خطأ التفسير بالنسبة إلى قوله سبحانه: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]؛ حيث اعتبر الكثيرون أن "نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ" تعود على "مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ".

هنا يبدو الخطأ الفادح في تفسير النسخ على أنه المحو والإلغاء، بسبب المقابلة الخاطئة بين "نَنسَخْ" وبين "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا"؛ وهي المقابلة التي أقل ما يُقال في شأنها أنها "جهل" بأبسط قواعد "اللسان العربي المبين"، لسان القرآن الكريم.. فالمقابلة الصحيحة، تكون كالتالي: "نَنسَخْ" تُقابلها "مِثْلِهَا".. أما "نُنسِهَا" فهي التي يُقابها "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا"؛ وذلك حسب قاعدة "الترتيب العكسي" في جملتين متتاليتين.

والدليل على ذلك، تدبر قوله تعالى: "هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [الجاثية: 29]، يؤكد المولى عز وجل أن "نَسْتَنسِخُ" تختص بـ"مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"؛ أي: إن أولى الملامح الدلالية لمفهوم "النسخ" أنه "نسخ أعمال الأمة نسخاً"، بمعنى أنه تسجيل وتدوين تلك الأعمال، بشكل يكون معه هذا "النسخ" صورة طبق الأصل من أعمال الأمة؛ والدليل أن "كتاب استنساخ الأعمال" هذا إنما ينطق بالحق: "هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ". 

وختاماً، ورغم اختلافنا الواضح مع الكيفية التي تناول بها محمد أركون مفهوم النسخ في التنزيل الحكيم، فإن كتاب أركون، في النهاية، كتاب "من الاجتهاد.. إلى نقد العقل الإسلامي"، إنما يأتي ليُشكل دعوة قوية لإعادة التفكير في التراث الإسلامي، وتعامل العقل المسلم مع التحديات الفكرية والسياسية المعاصرة. 

إذ يدعو أركون إلى تحرير العقل الإسلامي من القيود التقليدية، والعودة إلى روح الاجتهاد، ليس فقط في الفقه، بل في الفكر والمعرفة بشكل عام. ومن خلال هذه العملية النقدية، يرى أن المسلمين يمكنهم استعادة دورهم الحضاري والثقافي، والمساهمة بفاعلية في العالم المعاصر، دون التخلي عن هويتهم الدينية والتراثية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة