هتك الأسرار:

عقلنة الإيمان لتفكيك الصور الدينية الموروثة

مركز حوار الثقافات

14-12-2025

يقدم المفكر العراقي سعدون محسن ضمد، في كتابه "هتك الأسرار: تحولات فكرية في العلاقة بالدين والمقدس"، قراءة تأملية في بنية العلاقة بين الإنسان والمقدس؛ يسعى من خلالها إلى معرفة طبيعة العلاقة وفهم ثنائياتها المتضادة، وكيف تكونت هذه الثنائيات في العقلية الجمعية. ويهدف بذلك إلى تفكيك العلاقة الذهنية والروحية بين الإنسان والمقدّس، من الداخل لا من الخارج، لكي يحرر المفاهيم الدينية الكبرى من الأنماط الجاهزة الموروثة عنها، حتى يمكن إنتاج فهم ديني أكثر وعياً وصدقاً بالمفاهيم المقدسة، يمارس فيه العقل دوراً إلى جانب الإيمان. 

العبور الداخلي

يقصد ضمد بعنوان كتابه "هتك الأسرار"، محاولة تفكيك المفاهيم السائدة في الفضاء الديني، والنظر في العلاقة بين الإنسان وعقله وبين النص والمقدس، ليعيد النظر بطريقة عملية في الموروثات الدينية السائدة والمنتشرة؛ ساعياً بذلك إلى تفكيك العلاقة بينها، وفهم كيفية تشكيل العلاقة بين الإنسان والنص والنبوة؛ الأمر الذي يحرر المقدس من المفاهيم الجامدة، ويستنطق الدين من الداخل، ليكشف عن شبكة المعاني المقدسة التي تربط الإنسان بالله والنبوة والنص.

ضمن هذه المفاهيم، يصف الكاتب التصوف بأنه ليس خروجاً عن الدين، ولكن هو "عبور داخلي نحو أعماق الدين". فالتصوف عنده "منطقة رمادية يتقاطع فيها المطلق مع الذات"، حيث يسعى الصوفي خلالها إلى تفكيك الحقائق الظاهرة لكشف الحقائق الباطنة، ويتجاوز المفهوم الأخلاقي للتوبة إلى النظر إليها على أنها "فعل فلسفي". فالتوبة ليست ترك الذنب، وإنما هي تحول كلي في الرؤية، وهي "خلع الثوب القديم لا غسله"، وهي بداية الخروج من المنظومة الأخلاقية التقليدية إلى منظومة التجرد الكلي. كما أن الزهد، بالنسبة له، ليس الامتناع عن الدنيا بقدر ما هو رفض لسلطة العالم، حتى يمكن للزاهد أن يتحرر من الإجابات الجاهزة؛ فالزاهد ليس من ترك المال، ولكنه من تخلى عن رغبة السيطرة والامتلاك حتى على المعنى.

الألوهية والأنسنة

يتناول ضمد مفاهيم التوكل والتسليم والتفويض، ويرى أنها مفاهيم "تؤدي إلى المرحلة التي يغدو فيها الإنسان بلا قرار ولا موقف"؛ فهي نهاية الفاعلية الإنسانية والاستسلام لقدر يتجاوز الفهم. ويجتهد في تحليل مفهوم الألوهية والأنسنة، حتى يُفكك الثنائية التقليدية الحادة بين الإلهي والبشري، ويرى أن الألوهية والأنسة مفهومان متضادان يتجاذبان الإنسان في ما بينهما، ويرى أن الصفات الإنسانية الصالحة، مثل الرحمة والصبر والحكمة، هي انعكاس لصفات الله، ما يُعده تماهياً روحياً بين الذات الإنسانية والذات الإلهية، حسب قوله.

إلا أن الكاتب يرفض الصورة التي يكونها الإنسان عن الله، تلك التي يعطي لها بعض سمات الأنسنة؛ مثل تصوير الله في الوعي البشري بصفات إنسانية. وبدل أن يسمو الفكر البشري عن الله يُنزل الفكر البشري الله إلى مقاييس إنسانية؛ فيتحول الله "المطلق" إلى صفات إنسانية في الوعي البشري، مثل القريب والمحب والغاضب وهي صفات إنسانية، فيؤكد أن ذلك التفكير يؤدي إلى مُفارقة بأن الإنسان يُكون صورة نفسية إلهية. ويفسر ذلك بأن الإنسان حينما يتحدث عن الذات الإلهية وفق صفات إنسانية، فإن ذلك سببه أن الإنسان لا يقدر أن يرى الله إلا من خلال زاويته، فالوعي الديني البشري لا يستطيع أن يتعامل مع الذات الإلهية كمفهوم ميتافيزيقي خالص، بل يُعيد تشكيله وفق حاجاته الروحية والنفسية.

صعوبة النبوة

ويتحدث ضمد عن النبي، ويرى أن النبوة اصطفاء إلهي إضافة إلى كونها "حالة نفسية شديدة التعقيد"؛ فالنبي، وفقاً للكاتب، ينهض بمهمة شديدة الصعوبة وهي أنه "يتحدث باسم المطلق إلى المحدود"، ويرى أن للنبي ملامح أساسية في بنيته النفسية، أهمها: "هوس الباحث"، فالنبي ليس شخصاً عادياً، ولكنه مشغول منذ البداية بأسئلة تتجاوز وجوده، ما يجعله يبحث عن المطلق وكأنه مفقود داخل ذاته. وأيضاً، "تلقائية الصديق"، فالنبي يعيش صدقاً تلقائياً مع ما يوحى إليه، وهو يعيش مع الله علاقة نابعة من عُمق شعوري.

ويتناول مسألة "ختم النبوة" بصورة مُغايرة لما هو سائد، فختم النبوة ليس ختم الوحي فقط، بل هو بداية مرحلة التأويل الجماعي، ما يعطي للعقل إمكانية النظر في النص الديني، ويتيح إمكانية التجديد والتطوير والاستجابة المستمرة للتطورات والأحداث الاجتماعية والتاريخية؛ فرغم أن "الرسالة" انتهت، لكن تأويل فحوى الرسالة النبوية ما زال مستمراً.

ويذهب ضمد إلى "الخطأ" ويرى أن الاعتراف به طريق للنجاة، بينما ادعاء الإنسان للعصمة الكاملة "تمرد على الألوهية"؛ إذ يرى أهمية أن يضع الإنسان نفسه في موقف "الإنسان التائب"، لا في موقع "المعصوم الصلب"، وضرورة أن الإيمان لا يجب أن يتمثل في شكل "أجوبة جاهزة"، بل يجب أن يكون سؤالاً ملحاً ومتجدداً. وبناءً على ذلك، يدعو إلى استخدام العقل في الإيمان، لا سيما أن الإنسان يستخدم "آلية الانتقاء العقلي"، فلا يتعامل مع النصوص كوحدة واحدة، بل ينتقي منها ما يشاء ويخدم رؤيته؛ ومن ثم، تتحول النصوص المقدسة إلى منظومة شخصية وليست أنظمة شاملة، وهو الأمر الذي يحذر منه ويطالب بتجاهله وعدم المضي فيه، ويرفض بشدة الانتقاء العقلي للنصوص الدينية.

الشك المنهجي

يؤكد الكاتب أهمية الإيمان لاستمرار الوجود الإنساني، ويدعو إلى إعمال العقل في الإيمان، حتى يُمكن تجنب الانتقاء العقلي وشخصنة الإيمان، حيث يؤكد أن الوعي الديني ليس أمراً حتمياً لا يمكن مراجعته، وإنما هو أمر قابل للمراجعة والمساءلة. كما يرفض القول بأن الإيمان لا يجب أن يُراجع، ويدعو إلى ممارسة النقد العقلي والشك المنهجي للإيمان، ويشدد على أنه "ليس المطلوب إلغاء الإيمان، بل تعريته من الزوائد التي راكمتها الذاكرة الجماعية"، الأمر الذي يفتح مجالات التفكير في الإيمان ويعطيه صفة الحياة والاستمرارية.

هذا التفكير، كما يرى الكاتب، هو محاولة في الانتقال من الثبات الزائف في الوعي الديني إلى الثبات الحقيقي المبني على العقل والإيمان؛ إضافة إلى تعرية المخاوف التي تجعل من الإيمان "آلية دفاعية"، لينتقل الإيمان من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الحياة الكاملة، بجوانبها العقلية والنفسية والوجودية، وما ينتج عنها من تصحيح الصورة التي كونها العقل الجمعي والتراث عن المفاهيم الدينية.

 واللافت أن الكاتب يتناول "فكرة الإلحاد" من منظور الشك والرفض، ويرى أنها تتوقف عند حدود اللا يقين، وتصطدم بأسئلة وجودية عن أصل الوجود وغايته والوعي، دون وجود أسئلة يقينية؛ فالإلحاد عنده -رغم تساؤلاته المتعددة- حالة لا تؤدي إلى إجابة، وتترك حالة من الفراغ التي لا يُمكن شغلها إلا بالإيمان، وفقاً لقوله.

وختاماً، يجتهد المفكر العراقي سعدون محسن ضمد، في كتابه "هتك الأسرار: تحولات فكرية في العلاقة بالدين والمقدس"، إلى كشف المفاهيم الكبرى التي تنظم العلاقة بين الإنسان والله والدين والنصوص، عبر إعادة طرح الأسئلة الجوهرية عن المفاهيم الدينية الكبرى، مثل الذات والنبوة والإلهي والوعي البشري؛ ساعياً بذلك إلى تحرير الدين من المفاهيم الجاهزة التي أسستها الذاكرة الجمعية في التراث وامتدت إلى العصر الحالي. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة